يشتمل كتاب "حسيب كيالي.. الأعمال الكاملة"، على مختلف إبداعات الكاتب الراحل، مستثنيا منه المسرحية. ويشدد الناقد السوري محمد كامل الخطيب، في مقدمة الكتاب، ان حسيب كيالي (1912-1993)، مثال للتجريب المجدد، إذ أضاف إلى القصة السورية مضمون مفردات ومحتوى لغة الناس اليومية، بكل فصاحتها.

وبكل طرق بيانها، وفي كل ما فيها من ظلال وعفوية وبراءة وخبث وسخرية وألم وتلميحات ذكية، مشيرا إلى أن كيالي خلّص السرد القصصي من بلاغته القديمة، والمشهد القصصي من "دراميته" وجديته وعبوسه، وكذا اللغة من معاطفها البالية المترهلة، مثل ما أدخل القصة القصيرة، إلى رحابة الحياة اليومية، بناسها البسطاء ولكن الأذكياء على طريقتهم، والساخرين بلغتهم ولهجاتهم ومشكلاتهم بعفوية.

وأيضا ضحكهم النقي بتحايلاتهم ومكرهم اللماح في السلوك والحديث. ولهذا فلا عجبَ، طبقا لما يقوله الخطيب، في أن يكون عنوانا مجموعتي حسيب كيالي الاستهلاليتين: "مع الناس- 1952" و " أخبار من البلد- 1955".. فهكذا تصبح القصة عيشاً مع الناس، وإخباراً عن البلد الذي يحتاج إلى قلم أو لسان يخبر عنه.

ويلفت الخطيب، إلى أنه بإضافة اللغة الشعبية، وربَّما من خلالها، قدَّم كيالي "السخرية" عيناً ينظر من خلالها إلى الواقع، مجسدا السخرية بمثابة الجانب المرح من الإنسان: الجانب الذي يدرك الوجه الآخر للحياة، الوجه الذي يقول إنَّ الحياة ليست مأساة فقط، بل ثمَّة جانب مرح لطيف يستحق الحياة والابتسام. فالسخرية والضحك يخفِّفان من غلوائنا ومن عبوسنا.

ويهدئان من مخاوفنا، مثل ما يطمنان من غرورنا، وربَّما يكون هذا الجانب "السخرية"، مع اللغة، من أهم إضافات حسيب كيالي إلى الأدب القصصي العربي. ويقدم شقيقه (شقيق حسيب)، مواهب كيالي، توضيحا معمقا عن قيمة إسهاماته.

ويستهل ذلك متسائلاً: هل كان للقصة في تاريخنا رسالة؟ ويرد:" إنَّ الجواب في اعتقادي لا يمكن أن يكون سلباً.. نعم لقد رأينا أنَّ هذه الرسالة انحرفت في بعض الأحايين عن مقصدنا الكريم في تطوير الجماهير، ولكن السبب كان من القاصين لا من القصة، إذ وضعوا كفاياتهم في خدمة الطبقات الحاكمة، كما فعل صاحب أو أصحاب قصص عنترة، حين باعوا أنفسهم .. ولكن يجب ألا ننسى أنَّ أدب القصة الموجَّه، لم يبدأ ولم ينته، عند خرافات "كليلة ودمنة"، التي بثَّ فيها ابن المقفع ما يطلبه من الحاكمين.

فهناك مثلاً: قصص سيف بن ذي يزن الحميري، قصص أبي زيد الهلالي، تغريبة بني هلال، عنترة . كانت كلها ملاحم تنفخ روح البطولة في الرماد الذي خلَّفه الغلمان الأتراك والتتر والعثمانيون، وحتى الأبطال الفَسَقة في" ألف ليلة وليلة" و"علي الزيبق" و"حمزة البهلوان".

وفي قصص الشطار والعيارين في الأدوار العباسية الأخيرة، كانوا على ما فيهم من خروج عن جادة الأخلاق القويمة، جماعة متميزة من الناس، يستهدف مكرها رؤوس الظالمين فتنهال عليها حيناً وتحتال حيناً آخر. وهي في هذا وذاك، عظيمة التقديس لمكارم الأخلاق.

ولئن بلغت هذه القصص أن تثقِّف الجيل الماضي، وتنسِّق الحياة الداخلية للفرد، بإبراز خطوط واضحة لها متمنطقة مع ذاتها، فقد حقَّ للجيل الحاضر أن يجد ذاته في إنتاج معاصر يبلغ في تأثيره أن يهيئ القارئ العربي لمرحلة النضال التي يمر بها اليوم. ويثب بها وبه إلى مرحلة منتظرة قريبة".

ويضيف : "لست أزعم أنَّ قصص أخي حسيب أوفت على الغاية من رسالة أدبنا، ولكنها أوفت على تقصي الغاية من خلق النموذج المحلي عندنا، مأخوذاً عن إنسان الجيل الماضي, وهذا النموذج في مجمل سماته: رجل طيب القلب، محب للناس، غيور، لدن. قد ينثني أمام العاصفة ولكنه لا ينكسر أبداً.

إنَّها مهمة شاقة، كثيرة الأشواك، أن تكشف عن حقيقة بسطاء الناس عندنا، عن حقيقة جماهيرنا، وهي المهمة التي قام بها حسيب كيالي على أكمل وجه، برشاقة عذبة، أما اللغة التي تناول بها هذا الموضع فقد جهد فيها أن يقرِّب الشقة بين الفصحى القابعة بكل جلال في بطون الكتب، وبين الدارجة التي تحيا في كل مكان. وبذلك أغنى لغة الكتابة بذخيرة من الألفاظ، بلغت بأبسط وصف، أن تنقل أفكاره واضحة إلى القارئ...".

ويشرح مواهب أنه تميز أسلوب حسيب كيالي بالسخرية اللاذعة، ووصَفهُ بعض النقاد بأنَّه (تشيخوف العرب)، ففي قصة "هذا أيضاً ربَّما احترق"، والتي تكلَّم فيها عن اعتقاله مع مجموعة من اليساريين أيام الاحتلال الفرنسي لسوريا، نرى نموذجاً من مواقفه المتهكِّمة، وهو يسرد كيف تمَّ التحقيق مع أبو عبدو الحلبي.

 

تجربة غنية

يمثل الكتاب، الأعمال الكاملة للقاص والروائي والمسرحي السوري، حسيب كيالي في ثلاثة أجزاء، إذ ضمَّت تسع مجموعات قصصية، منها: مع الناس، أخبار من البلد. وروايتين : مكاتيب الغرام، أجراس البنفسج الصغيرة. ل

كن، تجاهل الكتاب، أعماله المسرحية. وقدم القاص والناقد السوري محمد كامل الخطيب، لأعمال كيالي هذه، إذ رأى أنَّ في اللغة، وكما في الفكر، ثمَّة موقفين تجريبيين: تجريب يعامل اللغة كموجود معزول مستقل، وآخر يعاملها كنشاط ذي علاقة وثيقة بالإنسان وتجربته الجمالية، لافتا إلى ان أعمال حسيب كيالي صورة صادقة معبرة عن ثاني الموقفين المذكورين.

 

المؤلف في سطور

محمد حسيب كيالي (سوريا). أديب سوري راحل. ولد في عام 1921 في إدلب. وحصل على الثانوية العامة من مدارس حلب 1944. ومن ثم دخل معهد الحقوق العربي في دمشق. وتخرج حاملاً إجازة في الحقوق 1947. ثم عمل في الصحافة الأدبية منذ 1945، وترأس تحرير المجلة العسكرية، بين عامي 50 - 1952. وانتدب في قسم التمثيليات بالإذاعة، كما عمل مراقباً للنصوص في تلفزيون دبي. وقدم مجموعة مهمة من القصص والروايات والمسرحيات.

 

الكتاب: حسيب كيالي..

الأعمال

الكاملة

تأليف: حسيب كيالي

الناشر: وزارة الثقافة

السورية

دمشق 2012

الصفحات: 1641 صفحة

القطع: الكبير