لا شك أن تمثال الحرية يمثل الصرح الأكثر رمزية لدى الأميركيين، هذا فضلا عن أنه يتمتع باعتراف وشهرة كبيرة على الصعيد العالمي. مع ذلك لم يكن هناك من يعرف في عام 1885 أن هذه «الايقونة» المعلّبة آنذاك في صندوق كبير سوف تحتل تلك المكانة المركزية كـ«تمثال للحرية» في مخيلة الأميركيين. و"تمثال الحرية" هو بالتحديد عنوان كتاب الأستاذ في جامعة نيويورك «ادوارد بيرنسون» وهو يبحث فيه «التاريخ عبر الأطلسي» لهذا التمثال الشهير، كما يقول العنوان الفرعي.
إن مؤلف هذا الكتاب «مؤرخ للثقافة» وأخصائي بـ«التاريخ الفرنسي»، وهو يقدم لقارئه العديد من الوقائع والحكايات غير المعروفة كثيرا لتاريخ تمثال الحرية منذ وجوده على الضفة الأوروبية من المحيط الأطلسي، وكذلك يدرس "الدلالات المختلفة" لتمثال الحرية لدى كل جيل من أجيال الأميركيين ،بعد وصوله إلى الجانب الآخر ،الأميركي، للمحيط الأطلسي.
يبدأ المؤلف بشرح الموقف الذي اتخذه المثقفون الفرنسيون الذين قرروا لـ«أسباب تتعلق بالسياسة الداخلية الفرنسية» تكريم تمسّك الأميركيين بفكرة الحرية. ذلك دون أي دعم يسمى من سلطات بلادهم عندما أعلنوا أنهم يريدون تقديم التمثال كـ«هبة» حددوا وجهتها بدقة متناهية.
ويحدد «بيرنسون» القول أن قصة فكرة التمثال وإنجازه ليست سوى جزء من تاريخه. ذلك أن «قيمته الرمزية» جعلت منه الصرح الأكثر تقديرا لدى الأميركيين، ذلك من خلال الدلالات العديدة التي اكتسبها. العديد من الأميركيين نظروا إليه كـ«رمز لتحرير العبيد»، واعتبره آخرون رمزا للحرية بشكل عام وكـ"دليل للانفتاح على العالم"، ورآه أغلبية الأميركيين أنه، منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001، تعبير عن التصميم على مواجهة الإرهاب الذي يستهدف بلادهم. بكل الحالات يبقى تمثال الحرية بالوقت نفسه «نصبا مألوفا» لدى الأميركيين ولكن «لا يعرف سوى القليل منهم تاريخه»، إنه تاريخ «عادي وزاخر بالمفاجآت، بالوقت نفسه»، كما يعبر المؤلف.
وكانت "الصور الأولى" لتمثال الحرية قد بدأت بالظهور منذ أواسط سنوات السبعينات في القرن التاسع عشر، أي قبل أن يتم الشروع بـ«بنائه» في باريس. ذلك أن موقع «هاربور» في نيويورك احتوى على مجسّد ضخم منحوت أعطاه مشاهدوه ما طاب لهم من أفكار وقيم وتأويلات تراوحت من الحرية إلى العبودية ومن استقبال الهجرة إلى مشاعر كره المهاجرين ومن قوة جذب أميركا ومواطن الخطر فيها.
هذه الإيحاءات كلها يعيدها المؤلف إلى ما يسميه «الأبعاد الأساسية الثلاثة» لتمثال الحرية، وهي «التجريد» و«الصفات الفنية المألوفة- الكلاسيكية الجديدة» و«الضخامة الهائلة». والإشارة هنا أن "مبدعه" المدعو فريديريك اوغست بارتولدي، صمم التمثال في منظور استمرار لقرون طويلة وأن يكون مدلوله «كونيا» يوفيفرسال-.
وصفته الفنية الكلاسيكية تعطيه بعدا تاريخيا يجد جذوره في العصور القديمة. وحافظ بالوقت نفسه على «الجانب التجريدي» و«الإيحائي» بدلا من الدلالة على حدث معين فردي أو تاريخي. ويشير المؤلف في هذا السياق أنه بدون التاريخ المنقوش عليه بشكل «مقروء بالكاد» والخاص بتاريخ 4 يوليو 1776 ، للدلالة على الاستقلال، ليس هناك أي مرجع صريح للولايات المتحدة الأميركية على تمثال الحرية.
وإلى جانب «البعد التجريدي» في دلالات تمثال الحرية يرى المؤلف أنه يتمتع بقدر كبير من «الحس الفني المحافظ في شكله». ويفسّر ذلك بـ«الحاجة» لمقاومة جميع أشكال التبدّل السياسي والثقافي التي قد تحصل في البلاد. وينقل المؤلف عن مصممه «بارتولدي» نفسه قوله أن التمثال "لا يمكن اعتباره بمثابة عمل فني عظيم جدا". لكن سمته "الكلاسيكية" تجعله قادرا على مواجهة أي «هجوم جمالي جامح» مع احتفاظه بـ«أشياء مختلفة كثيرة».
وما يكشف عنه المؤلف هو أن «تمثال الحرية» لم يكن "هدية" من فرنسا للولايات المتحدة. وكان نابليون الثالث، سيد فرنسا عندما جرى تصميم التمثال، معارضا للفكرة بسبب واقع نظامه الاستبدادي. ولم تدفع حكومة الولايات المتحدة دولارا واحدا، وحتى لو كان مؤيدو المشروع الأميركيين قد وعدوا أن بلادهم ستحوّل تمثال الحرية إلى حد ما. واعتبره بعض المحافظين الأميركيين بمثابة "حصان طراودة" للأفكار "اليسارية" التي قد تأتي من أوروبا.
ويصل المؤلف في النهاية إلى القول أن "تمثال الحرية" باعتباره "الرمز الأكثر بروزا لأميركا" كان دائما عرضة للاستثمار التجاري والسياسي في أميركا. فالمعلنون استخدموه من أجل الترويج لمنتجاتهم وبضائعهم ورجال السياسة جعلوا منه "خلفية" حملاتهم الانتخابية. بل استخدمه أحد "كازينوهات لاس فيجاس" في دعاياته.
ولم يتورع أحد مصممي "مايوهات السباحة" من جعله "نموذجا" لأحد "إبداعاته" . لكن ادوارد بيرنسون يؤكد أن "تمثال الحرية" بقي بما يمثله، فوق كل أشكال الاستغلال والترهات. بكل الحالات يرى المؤلف أن "تمثال الحرية" يبقى "مكانا للذاكرة"، وخدم باستمرار كـ"شاشة" تعرض عليها جميع المفاهيم المتنافسة للحرية الأميركية. وهذا الكتاب "يعرّف" فيه بامتياز حيث يكتشف القارئ أنه كان يجهل عنه الكثير بالفعل.
عارضوه بداية
ما يؤكده أدوارد بيرنسون هو أن الأميركيين أظهروا في البداية القليل من الحماس للمشروع، بل كان لا بد من التغلّب على عدد من العقبات قبل عرض التمثال على الجمهور الأميركي في نيويورك عام 1886.
المؤلف في سطور
ادوارد بيرنسون هو أستاذ التاريخ، ومدير الأبحاث الدولية في العلوم الإنسانية والاجتماعية ومدير معهد الدراسات الفرنسية في جامعة نيويورك. من مؤلفاته: أبطال الإمبراطورية: خمسة رجال محبوبين.
الكتاب: تمثال الحرية
تأليف: ادوارد بيرنسون
الناشر: جامعة يال
2012
الصفحات:298 صفحة
القطع: المتوسط
The statue of liberty
Edward Berenson
Yale University Press- 2012
298 .P

