يعنى كتاب " الجولان في القصة السورية " لمؤلفه علي المزعل، في سبر أشكال ومستويات تناول القصة السورية للجولان وقضيته. ويستهل المؤلف كتابه، بتوضيح قيمة الجولان، مستعرضاً دوره الحضاري ومكانه وتاريخه، ومبينا أنه يتربع على هضبة بركانية تتوسط سوريا ولبنان وفلسطين والأردن. ويمتلك أعظم خزّان مياه جوفي. وطبيعته ساحرة وغنية.
يشير المؤلف إلى أنه حدثت في الجولان حروب التحرير، مثل: أجنادين، مرج الصُفَّر، اليرموك الياقوصة، فتح شرحبيل بن حسنة مدينة فيق وسوسة . وصار جزءاً من الدولة الإسلامية في العصور: الراشدي والأموي فالعباسي والفاطمي والسلجوقي، وبقي كذلك حتى احتلال الفرنسيين له. ثم ينتقل المؤلف لإيضاح نقطة أنه صهر الجولان، بحواضره البالغة 159 قرية ومدينة، عدة اثنيات، حيث سكنه العرب والأتراك والشركس.
كما يبين علي المزعل أنه كان الجولان ولا يزال، رمزاً للشهامة والمروءة والتطلع إلى عودة من هُجِّر منه عنوة إبان نكسة 1967، وكان عددهم آنذاك 131 ألفاً. أمّا من تشبث بوجوده، فلا يزال يلعق جراح الأسر، ويحارب كل أنواع الإلحاق والاستغلال، متمسكاً بهويته الوطنية السورية وثقافته العربية .
ويلفت المؤلف إلى ان أولى هذه القصص، تناولها الدكتور عبد السلام العجيلي، ببراعته وواقعيته الساحرة. وتحكي عن استشهاد النقيب جواد أنزور الذي سقط دفاعاً عن تل العزيزيات، إذ جرت على سفوحه أعنف المعارك عام 1948.
ولم يقتصر حضور المكان في القصة، على تل العزيزيات، بل تعداه إلى أرجاء مختلفة من الجولان، كانت مسرحاً لمعارك المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي : ( جسر بنات يعقوب، تل خنزير، المنصورة، القنطيرة، نهر الشريعة). ويؤكد المزعل ان مثل هذا الحضور للمكان، نلمسه في قصة العجيلي " كفن حمود "، حيث تحتفظ الأم بأكفان حمود الذي ظل جثمانه في العراء، حين سقط شهيداً في معركة " الشجرة " في فلسطين .
وأما الحدث الرئيس في قصة " شجرة البطم " للكاتب فارس زرزور، فهو وصف وقائع المعركة وبطولات المقاتلين. إذ يرصد العلاقة اليومية بين الضابط الابن والجندي الأب، اللذين شاء القدر أن يجمعهما في مفرزة واحدة، وأن يخوضا معركة تل العزيزيات، حتى استشهد الأب، وذلك في تعبير واضح عن تواصل المقاومة عبر الأجيال المتلاحقة .
ويبدو الفضاء المكاني لقصة " عائدون من طبرية " للقاص أديب نحوي، محدّداً بكل معانيه الجولانية الفلسطينية، فمن مرتفعات الجولان يبدو أمامنا فضاء فلسطين، بكل ما فيها من جبال وتلال ومدن ومنحدرات ومساحات خضراء، لكن طبريا تظل في المقدّمة لأنها خط العبور الأول بين الجولان وفلسطين .
وفي قصة عبد الله أبو هيف " من يذكر أم قيس "، يتعانق التاريخ مع الحاضر، في تصوير الأحداث ضمن الجولان.
ويتناول الكاتب عصام وجوخ، في مجموعته " يوميات جولاني "، الأرض وما عليها، عبر ذاكرة متوقّدة عامرة بالمفردات والتضاريس.ويوضح المزعل انه في قصص الكاتب الجولاني نادر الفاعوري، تبدو الذاكرة البصرية حاملاً أساسياً للمكان الجولاني المفقود، وتؤكد هذه الذاكرة أن المكان لا يزال ينبض بكل تفاصيله الجغرافية لمنطقة الجولان.
وفي قصة " الغياب المهزوم " لموسى أحمد المسالمة، تحتل قرية كفر حارب الجولانية وبحيرة طبريا، ذاكرة يوسف الذي أمضى طفولته على ضفاف طبرية وبين الصخور المطلة على البحيرة. كما تمثل قصة " نداء الزيتون " لفيصل محمود المفلح، تعبيرا عن جدلية العلاقة الأبدية بين الأرض والإنسان التي لا يمكن أن تنتهي مهما كانت قسوة العدوان، ومهما اشتدت وطأة الموت والظلم.
وأما قصص علي المزعل نفسه، فتمحورت في موضوعاتها وفضاءاتها المكانية، حول الجولان الأرض والشعب والقضية، إذ نجده يزداد تألقاً وجمالاً كلما امتدت سنوات الغربة، فلم يجد فكاكاً من طبرية التي كانت تنعكس في مرايا البيوت ومن حولها جبال فلسطين بخضرتها وتضاريسها وشموخ قممها.
لفظ آرامي
يركز الكتاب على توضيح قيمة الجولان السوري، الذي تحتله إسرائيل ( تاريخيا وجغرافيا وثقافيا)، راصدا تجلي ذلك في المنتج الادبي القصصي. ويستهل أبواب البحث، بإدراج المعنى اللغوي : مصطلح يدل على طبيعته وتاريخه ومعناه، إنّه لفظ يعود إلى الآراميين الذين سكنوه منذ القرن الثاني قبل الميلاد، واحتفظوا بأصالته في أدبيات العربية وعلومها حتى يومنا هذا. وكان النابغة الذبياني قد ذكره قائلاً :
بكى حارث الجولان من فَقْد ربِّه
وحوران منه موحشٌ متضائل
المؤلف في سطور
ولد الكاتب السوري، علي المزعل، في قرية كفر حارب في القنيطرة، عام 1953. وتلقى تعلميه في مدارس الجولان، ثم في مدينة دمشق ودرعا، بعد النزوح. يحمل إجازة في الأدب العربي- جامعة دمشق. وهو أمين سر فرع اتحاد الكتاب العرب بالقنيطرة . لديه مجموعة من المؤلفات، من بينها: " شهادات على جدران الوطن" و" ندى الحصاد"- قصص.
الكتاب: الجولان
في القصة
السورية
تأليف: علي المزعل
الناشر: اتحاد الكتاب
العرب
دمشق 2011
الصفحات:120 صفحة
القطع: الصغير

