يسم العديد من الباحثين المجتمعات الحديثة اليوم، بأنها ذات صفة استعراضية بالدرجة الأولى. وهذا ما كان شرحه بإسهاب الكاتب غي ديبوس، في كتاب أصبح مرجعاً كلاسيكياً في ميدانه، تحت عنوان: "مجتمع الاستعراض". وفي المنحى نفسه، يقدم الصحافي الأميركي الحائز على جائزة "بوليتزر"، الأستاذ الجامعي كريس هيدج، كتاباً جديداً تحت عنوان "إمبراطورية الوهم"، يشرح فيه ما يسميه "موت الثقافة وانتصار الاستعراض".

وتقوم "إمبراطورية الوهم" التي يتحدث عنها المؤلف، على ثقافة الوهم التي تسهم في تحويل أموال القروض الافتراضية، إلى ثروات. وتحيل "الخراب إلى غد مشرق، والاغتراب والقلق إلى نزعة محافظة. كما تجعل من دولة تشن حروباً غير مشروعة وتدير معسكرات للاعتقال يمارس فيها التعذيب في الخارج، أكبر ديمقراطية في العالم، كما نقرأ.

والديمقراطية التي يقصدها المؤلف، ليست سوى الولايات المتحدة الأميركية التي تسود فيها ثقافة الوهم، كما يقول. ذلك انطلاقاً من حكم وتأثيرات نوعية الأفلام السينمائية الإباحية التي تنتج في لاس فيغاس، وأيضاً البرامج التلفزيونية التي تنضوي تحت عنوان "سينما الواقع" (مثل: "أميركان آيدل")، ومروراً بأنماط السلوك في الحرم الجامعي وفي "حلقات البحث" الخاصة بسبل تفتّح الشخصية الفردية، إذ يصعب في هذه الحالات كلها، كما يشرح كريس هيدج، التمييز بين ما هو حقيقي واستعراضي. ويؤكد أن الآليات المعتمدة في ثقافة الوهم والاستعراض، ترمي بالتحديد، إلى حرف الأنظار عن الرهانات السياسية الحقيقية.

ويتعرّض المؤلف إلى نموذجين أساسيين من الأوهام الحاضرة بقوة، في النقاشات السائدة ضمن الولايات المتحدة، وهما: المتكرر (الذي لا يتغير ويحتاج فقط إلى بعض الصفات الفردية المميزة)، الأحداث المفبركة أو الأحداث المزعومة (التي تعتمد أساساً على عملية إخراج يقوم بها متخصصون في العلاقات العامة أو الآلات السياسية القوية أو التلفزيون أو هوليوود أو أرباب صناعة الإعلان).

والقاسم المشترك بين هؤلاء جميعاً يتمثل في قدرتهم على إثارة ردود أفعال عاطفية وانفعالية قوية تطمس الواقع كي تحل محله رواية خيالية، وينتهي الأمر على أنها تعبر عن الحقيقة، كما يبين المؤلف.

وعن النموذج المتكرر، يكتب المؤلف معلّقاً على كتاب شهير، يحمل عنوان: الرأي العام الذي نال شهرة كبيرة في الولايات المتحدة، لمؤلفه والتر ليبمان، ما مفاده: "بالنسبة إليه ليبمان- النموذج المتكرر، نموذج مفرط ببساطته يسهم في تقديم دلالة للعالم.

والنماذج التي يقدمها تقوم على مبدأ اختزال مجموعات كاملة بنموذج، مثل: الحديث عن الألمان أو العبيد أو خريجي جامعة هارفارد أو مثيري الشغب.. وهذه النماذج الدعائية، الإعلانية، تبسّط الواقع وتختزله إلى وهم".

وتحت خانة "النموذج المتكرر"، يتعرّض المؤلف لمجموعة من الصفات التي ترسم صورة نمطية لفئات كاملة، مثل: الطلبة الذين يتحدثون بالهاتف المحمول ومثيري الشغب وممارسي العنف الذين يخربون ويحطمون الواجهات. إن المؤلف يتوقف عند هذه المجموعة الأخيرة، إذ يتم تقديم صورة المعنيين على أنهم يبحثون فقط عن التخريب والتكسير، من دون أية أهداف أخرى.

وينتهي الأمر في الاستخدام الإعلامي المفرط بشتى الوسائل، للتوصيفات الشائعة إلى الاعتقاد بـصحتها، وبأنها تعبّر عن الواقع. وهنا ينبّه المؤلف إلى أنه، مهما كانت الآراء حيال سلوكية المجموعات المعنية "المشاغبة"، ينبغي الاعتراف أن الأفعال التي يقومون بها لا ترمي فقط إلى التخريب وتحطيم زجاج المتاجر والسيارات، وغيرها، كما يزعم مصممو التوصيفات.

ولا بد بالتالي، من البحث عن الأسباب العميقة، الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، التي دفعتهم إلى ممارسة مثل هذا السلوك الذي لا يمكن اختزاله إلى عنف مجاني.

 

طريق الكوارث

 

يشرح المؤلف الآليات التي يستخدمها القاموس السائد في التلفزيون وغيره، من أدوات صناعة الرأي العام، غاية تحويل دلالات الأحداث وإعطائها صورة للواقع، تختلف عن ما هو موجود في الحقيقة. ومثل هذه الممارسة موجودة بقوة، كما يحدد كريس هيدج القول، في أربعة ميادين ضمن المجتمع الأميركي، تخص الثقافة والجنس والمعرفة والسعادة. وهي تنتج في جميع الحالات، آثاراً تنبئ بالكوارث، من خلال صعود منظومة مغلقة ومفرغة من الوقائع الحقيقية، والمحصلة هي أميركا كسيحة".

 

المؤلف في سطور

 

كريس هيدج، صحافي أميركي، حائز على جائزة "بوليتزر" الشهيرة للصحافة. سبق له أن عمل لسنوات، مراسلاً حربياً لجريدة "نيويورك تايمز". ونال شهرة كبيرة بفعل التحليلات الاجتماعية والسياسية التي قدمها عن الأوضاع الأميركية. ويسهم حالياً، بالكتابة في العديد من الصحف. درّس في جامعتي كولومبيا وبرنستون.

الكتاب: إمبراطورية الوهم، موت الثقافة وانتصار الاستعراض

تأليف: كريس هيدج

الناشر: لوكس- نيويورك - 2012

الصفحات: 272 صفحة

القطع: المتوسط

 

Empire of illusion

Chris Hedges

Lux- New York - 2012

272 .p