يوضح كتاب "الأزمة الاقتصادية العالمية"، لمؤلفه الخبير الاقتصادي السوري، الدكتور قحطان السيوفي، أن أولى بوادر الأزمة المالية العالمية، ظهرت في أميركا في شهر فبراير من العام 2007، عندما لم تسدِّد تسليفات الرهن العقاري، الممنوحة لأشخاص لا يتمتعون بالقدرة على الدفع، إذ برزت أولى عمليات الإفلاس لمؤسَّسات مصرفية متخصصة في الولايات المتحدة الأميركية.

وهو ما دفع البنك المركزي في الولايات المتحدة، إلى البدء بتخفيض معدل الفائدة في النصف الثاني من عام 2007، ليصل هذا المعدل إلى 2 بالمائة، في شهر أبريل من العام 2008. ثمَّ بدأ مسلسل الانهيارات والافلاسات.

وتدخلت وزارة الخزانة الأميركية في السابع من سبتمبر عام 2008، لتضع المؤسَّستين العملاقتين في مجال تسليفات الرهن العقاري : "فايني ماي"(finnie mai) و"فردي ماك" (frddie mac)، تحت الوصاية. وفي 15 من الشهر نفسه، أعلن عن إفلاس مصرف "ليمان برذر" واشترى بنك "أوف أميركا" بنك "ميريل لنش".

وفي 16 منه أيضا، أمَّمت الحكومة الأميركية بحكم الأمر الواقع، أكبر مجموعة تأمين في العالم: a.i.g American international group، بمنحها 85 مليار دولار، مقابل 6, 97 بالمائة من رأسمالها.

ويوضح المؤلف، أنه انتشرت الأزمة في العالم، عقب ذلك.

ثمَّ يقول المؤلف السيوفي، إنَّ أمواج الأزمة المالية التي صدَّرتها أميركا، وصلت إلى المنطقة العربية. وتأثرت بها الأسواق المالية، وخاصة الخليج العربي.

كل المؤشرات تدل على أنَّ معظم الجهاز المصرفي العربي، حتى الآن، في وضع جيد نسبياً. ومن المفيد أن نوضح هنا، أن ثمة فرقاً واضحاً بين المشكلات والصعوبات التي تعاني منها المؤسسات المالية والمصرفية في الدول الصناعية المتقدمة.

وبين ما تواجهه البيوتات المصرفية والمالية العربية حالياً، إذ يلاحظ على أرض الواقع، أنَّ الأولى تأثَّرت موجوداتها واستثماراتها وموازناتها مباشرة، بفعل وجود ديون خاسرة لديها، وتعرض بعض زبائنها لمثل هذه الخسارات. في حين أنَّ الثانية، أي المصارف العربية واجهت في بداية الأزمة، مشكلات سيولة. وتأثرت مباشرة بحالة عدم الثقة والهلع، وتدخلت بعض المصارف المركزية العربية، بضخ السيولة في الأسواق، وتعهدت الحكومات بضمان ودائع للنظام المصرفي، خاصة في الإمارات والكويت والأردن.

ويشير المؤلف إلى أنه تشهد المصارف المركزية في العالم، تغييرات منذ أن بدأت أزمة الائتمان العالمية تاريخية. وبالمقابل، عمدت المصارف المركزية، إلى زيادة احتياطيات المصارف بصورة كبيرة، لمواجهة متطلبات القطاع الخاص من السيولة. وبالمقابل تبدو المصارف المركزية في ظل الأزمة المالية العالمية، وكأنها أصبحت أطرافاً فعلية في أسواق المال، بل بات بعضها مقرضاً للشركات.

كما أنَّ بعضاً من هذه المصارف المركزية يوفر السيولة مقابل ضمانات بشروط أكثر مواتاة من الشروط السائدة في الأسواق الخاصة. ومن ثمَّ أصبحت، وبحكم الأمر الواقع، وكأنَّها جهات تأمين نهائية على المخاطر الكبيرة بفئات من الموجودات المالية.

وهو ما يضع بعضها في مواجهة أنواع من المخاطر، ربما توصلها إلى وضع حرج، لا تستطيع معه استرداد قروضها. ويلفت السيوفي، إلى أنه، وفي المرحلة الأولى من الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الحالية المستمرة، كانت حكومات الدول الملاذ والمنقذ، حيث تحمَّلت الأوجاع الناجمة عن إفلاس المؤسسات المالية والمصرفية للقطاع الخاص.

وضخَّت حكومات الدول الصناعية، وخاصة الولايات المتحدة، مئات المليارات من الدولارات، في محاولة لإنقاذ هذه المؤسَّسات المهدَّدة بالانهيار، وتلتها بذلك، حكومات أوروبا وآسيا. كما دعت حكومات: فرنسا وألمانيا وبريطانيا، إلى تبني خطط موحدة لاسترداد الثقة في القطاع المالي، ووضع معايير أمان لتنظيم مسيرة الأسواق التي يسودها الإرباك وعدم الاستقرار. وأدى ذلك إلى حدوث عجز مالي كبير في موازنات هذه الحكومات. بالإضافة إلى تضخيم الدين العام .

ويؤكد المؤلف، عن دور الصين في الأزمة، وفي الوقت الراهن، أنَّها تمثِّل شريكاً غير مريح لاقتصادات العالم المتقدم صناعياً. ولئن كان انهيار الاتحاد السوفييتي قد أحدث زلزالاً سياسياً مدوياً، فإنَّ الأزمة العالمية الحالية تعتبر زلزالاً اقتصادياً كارثياً ولد في الولايات المتحدة، وانتقل إلى دول العالم الأخرى، بسبب الارتباط المالي والنقدي لمعظم الدول بالنظام الاقتصادي الأميركي، طبقاً لنظرية (الاستقرار بالهيمنة).

 

إدارة ونتائج

 

يضيء الكتاب على جملة وقائع ومعطيات، يجد أنها كانت سبباً في الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم، منذ عام 2008. فيتفق مع غيره من المحللين الماليين والاقتصاديين، على أنَّ بذور الأزمة المالية الحالية تعود إلى سوء السياسات المالية والاقتصادية التي اعتمدتها الحكومة الأميركية، في ظل إدارة جورج بوش الابن، بعد أحداث سبتمبر عام 2001، والتي أدَّت إلى: تراجع فرص العمل، زيادة الإقبال على القروض العقارية.

 

المؤلف في سطور

 

الدكتور قحطان السيوفي، خبير وباحث استراتيجي سوري، متخصص في حقل الاقتصاد المالي. شغل مناصب عديدة، منها: مفتش مالي ومستشار ومدير للجمارك العامة، وزير للمالية في سوريا، وسفيراً فوق العادة في اليابان، ولديه العديد من المؤلفات.

الكتاب: الأزمة الاقتصادية العالمية/ مقالات

تأليف: قحطان السيوفي

الناشر: وزارة الثقافة السورية- دمشق 2012

الصفحات: 367 صفحة

القطع: الكبير