ينطلق مؤلف كتاب "العالم القديم الجديد" بيري اندرسون، من ما يعده شجرة نسب المشروع الأوروبي في توحيد القارة القديمة، بعد حربين كونيتين، كانتا قد انطلقتا منها. وما يؤكده منذ البداية، أن مشروع البناء الأوروبي، جرى تصميمه حسب مسار آخر.
ويؤكد أن المشروع الأوروبي الحالي للتوحيد الذي، لم يولّد سوى كنوع من الكونفيدرالية الملحقة تماماً بالرأسمالية السائدة، وبالنظام الإمبريالي الأميركي، لافتاً إلى أنه ليس فعلياً، المشروع الوحيد، إذ كان القرن التاسع عشر، قد عرف عدة مشروعات توحيدية متنوّعة.
ومن بين الأكثر أهمية منها، ذاك الذي ألحّ على الجذور المسيحية والملكية والتقليدية لأوروبا.
ويوضح المؤلف أن هناك مشروعاً آخر ذا طابع تقدمي وتكنوقراطي، اقترحه المفكر سان سيمون، نصّ على إقامة فيدرالية أوروبية، يقوم بمقتضاه، كل مليون من الأوروبيين القادرين على القراءة والكتابة، بانتخاب أربعة ممثلين لهم: (تاجر وعالم ورجل إدارة وقاض)، ذلك في منظور تولّي نخبة ذات كفاءة، قيادة أوروبا، بحيث تؤمّن للشعوب الأوروبية الاستقرار والرفاهية، عن طريق العلم والتجارة.
ولم يكن المقصود إذن من ذلك المشروع، تبنّي نموذج رأسمالي، على صعيدي الاقتصاد والصناعة، إنما نموذج يسير باتجاه استقرار شعوب القارة وسلامهم.
لا يؤيد المؤلف مثل هذه الدلالة الواحدة، ذلك ليس بسبب وجود عدد من البلدان الأوروبية التي لم تنضم إلى الاتحاد الأوروبي، ولكن بسبب تنوّع الدول- الأمم، الأعضاء في هذا الاتحاد، ولكن المتمسّكة بقوة بسيادتها الوطنية.
ويضيف المؤلف أن التوتر بين بعدي أوروبا: الوطني وما فوق الوطني -الأوروبي- يضع كل من يحاول إعادة صياغة "التاريخ القريب" للقارة، أمام معضلة غريبة. ذلك أن الاتحاد الأوروبي هو بأحد مظاهره، منظومة سياسية لها نتائجها في توحيد مواقف بلدانه.
ولكن بالمقابل لا تزال الحياة السياسية في هذه البلدان تخضع بالأحرى للمنطق الداخلي، وبدرجة أعلى من ما هو الانصياع للنهج السياسي الأوروبي الموحّد. ويفيد المؤلف بأن التوفيق بين هذين المظهرين، لا يزال صعب المنال، حتى الآن. وهذا ما تثبته محاولات جميع أولئك الذين أرادوا ذلك.
ويشير المؤلف إلى أن المعضلة الخاصة في التوفيق بين ما هو وطني وما هو أوروبي، بالنسبة للدول الأعضاء، تجد صداها، في مقاربة المسألة من خلال ثلاثة ميادين مختلفة، من حيث الأدبيات الخاصة بالبناء الأوروبي.
الأول يتعلق بالدراسات المتخصصة بمؤسسات الاتحاد الأوروبي، والثاني يعنى بالتاريخ الاجتماعي لأوروبا منذ عام 1945، والثالث يخص الدراسات المتعلقة بحالات بلدان- الاتحاد الأوروبي، من المنظور الوطني.
وهذه الميادين الثلاثة، تشكل المحاور الأساسية للكتاب. ويبحث المؤلف في القسم الأول، ماضي الاتحاد الأوروبي وحاضره، عبر الانطلاق من تصوّر المؤسسين، وفي مقدمتهم روبير شومان، وينتقل بعدها إلى التحولات التي قام بها اللاحقون. كما يشر الكيفية التي أدت بالاتحاد الأوروبي إلى ما هو عليه الآن. ومن ثم يصل إلى نتيجة مفادها أن الاندماج الأوروبي يتم من حيث أهدافه وممارساته الاقتصادية، التي تمثل الجزء الأعظم من نشاطاته، على أساس متابعة السياسة بوسائل أخرى.
ويكرس القسم الثاني من الكتاب، بشكل رئيسي، لدراسات البلدان الرئيسية الثلاثة في الاتحاد الأوروبي، من المنظور الوطني. والمقصود فرنسا وألمانيا وإيطاليا. هذه البلدان التي مثّلت 75 بالمائة من سكان المجموعة الاقتصادية الأوروبية، هي بمثابة قلب مسيرة الاندماج الأوروبي. كما مثلت ألمانيا وفرنسا، منذ البداية، المحرّك الرئيسي لهذا الاندماج، ولا تزالان كذلك.
وبعد الإشارة إلى أن إيطاليا لعبت دوراً أقل أهمية من بلجيكا أو هولندا، في خلق السوق الأوروبية، خلال السنوات الأولى. ويشدد على أنها، أي إيطاليا، لعبت دوراً أكبر في ما يتعلق بتحديد توجهات المجموعة الأوروبية، في فترة توسعها.
ويفتح المؤلف قوسين في هذا السياق، كي يؤكد أنه رغم المكانة الأكثر أهمية التي تحتلها باريس وبرلين وروما، حول طاولة المفاوضات الأوروبية هي أيضاً عواصم الدول الأوروبية الوحيدة في مجموعة السبعة الكبار سابقاً- فإنها لا تمثل وحدها أوروبا الغربية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. والإشارة أيضاً إلى أن المملكة المتحدة بريطانيا- التي لا يحتوي تاريخها (منذ سقوط حكومة مارغريت تاتشر، أي شيء مميّز). ذلك على عكس اسبانيا التي عرفت مسيرة تحديثية متقدمة.
أما القسم الثالث من الكتاب، فهو مكرّس للحديث عن قبرص التي غدت بلداً عضواً في الاتحاد الأوروبي، منذ عام 2004، ولتركيا المرشحة للانضمام إليه. فهذان البلدان، الأصغر سكاناً، بأقل من مليون نسمة. والأكثر سكاناً في حال انضمامها، أي تركيا، يمثلان تحدياً بالنسبة لأوروبا. ذلك أن مصير قبرص والوزن الضاغط لتركيا سيكون لهما التأثير على الأفكار السائدة في أوروبا الغربية. هذا على عكس بلدان شرق ووسط أوروبا، الشيوعية سابقاً.
وفي محصلة التحليلات المقدّمة في الكتاب، المؤلف من 600 صفحة، يصل المؤلف إلى القول ان أوروبا الجديدة استطاعت، رغم تناقضاتها الجديدة، لعب دور مهم كإمبراطورية مساعدة على مسرحها الإقليمي.
توحيد الدلالة
يلاحظ المؤلف أن الاتحاد الأوروبي، بصيغته الحالية، أمّن للقارة القديمة، بنية دستورية شاملة ومعقّدة، تسمو فوق الأمم الأوروبية، وتجعل من هذا الجزء من العالم، حالة فريدة. ويجري توصيف هذه البنية بأنها: جديدة وحاضرة، إلى درجة أن تعبير "أوروبا"، أصبح يدلّ غالباً، على الاتحاد الأوروبي، وكأن الأمر يشير إلى حالة واحدة بالنسبة، لهذا وتلك.
المؤلف في سطور
بيري اندرسون، أستاذ التاريخ وعلم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا. ورئيس تحرير مجلة "اليسار الجديد" نيو ليفت روفيو. من مؤلفاته: البرتغال ونهاية النزعة الاستعمارية المتطرفة.
الكتاب: العالم القديم الجديد
تأليف: بيري اندرسون
الناشر: فيرسو بوك- لندن - 2011
الصفحات:592 صفحة
القطع: المتوسط
The new old world
Perry Anderson
Verso Books -
London - 2011
592 .p
