يحاول كتاب" أربعة شهور في قفص الحكومة"، لمؤلفه، الدكتور حازم الببلاوي، أن يحيط بكامل قصص ومشاهدات ومعايشات المؤلف، خلال توليه مهامه كنائب لرئيس الوزراء ووزير المالية المصري السابق، من منتصف يوليو إلى منتصف نوفمبر عام 2011.

ويؤكد الببلاوي أن تقديره للموقف، عند تسلّم منصبه، تضمن أهمية توفير قدر من الوضوح حول شكل النظام السياسي القادم، وهذا أمر ضروري لاستعادة الاستقرار الاقتصادي، فلا يكفي توفير الأمن والاستقرار في الحاضر إذا كان المستقبل ملغماً بالغموض، فالاقتصاد هو التعامل مع المستقبل، ما لم يك هذا المستقبل واضحاً، وقابلاً للتخمين، فالغالب أن تتوقف القرارات الاقتصادية إلى حين وضوح الصورة، لأن الاستثمار يستطيع أن يتعايش مع شتى الظروف، باستثناء عدم اليقين.

كما يشير المؤلف إلى أنه حرص على ضرورة حماية الاقتصاد الوطني من آثار المستجدات التي طرأت على الساحة، وترتب عليها التهديد باختناق الاقتصاد نتيجة لجفاف بعض الموارد المالية، مثل: إيرادات السياحة أو عزوف الاستثمارات الخارجية، هجرة التوظيفات المالية في الأسواق المالية، الضغوط المالية الجديدة على الخزانة مع الزيادات في المرتبات والمعاشات، الاستجابة إلى العديد من المطالب الفئوية.

ويوضح الببلاوي أنه كانت الشفافية في مرتبات الوزراء، إحدى القضايا التي أثيرت بقوة في أثناء توليه الوزارة؛ لدرجة أن افتتاحية جريدة "الوفد" نشرت مقالين: "مرتب حازم الببلاوي"، "كم يقبض حازم الببلاوي؟". ويرد الببلاوي في الكتاب، مبيناً أن المرتب الرسمي له، هو "ألف وثمانمائة واثنان وثمانون جنيها وخمسة وستون قرشاً لا غير" . وأن حسابه أضيف إليه ثلاثون ألف جنيه في الشهر، وهو يظن أن هذه الإضافة، أضيفت إلى حسابه باعتبارها تعديلاً للمرتب، ذلك بما يجعله مناسباً لظروف الحياة.

ويلفت الببلاوي إلى أن الاقتصاد المصري يعاني مشكلات مالية مزمنة، على رأسها التشابك المالي للدائنين والمدينين في الحكومة والهيئات العامة، ما أدى إلى وجود هيئات اقتصادية تتمتع بميزانيات قوية محاسبياً، إذ إن أصولها أكبر من خصومها، ولكنها تعاني أزمة سيولة، فلا هي قادرة على سداد ديونها، ولا قادرة على توفير متطلباتها المالية للاستمرار في الإنتاج، ولذلك تكون دائماً في حاجة إلى الدعم المالي من الحكومة.

ومن أهم القضايا التي يثيرها الببلاوي في كتابه، دعم السلع البترولية، إذ يمثل أكثر من 60 بالمائة، من حجم الدعم في الموازنة. لذا فإن ترشيده يمكن أن يساعد على تحقيق نتائج أوضح وأسرع، فيما يتعلق بعجز الموازنة.

ويؤكد أن إحدى أهم مشكلات دعم المواد البترولية، تسرُّب هذا الدعم إلى غير المحتاجين، فهناك دعم لصناعات تبيع إنتاجها في السوق بالأسعار العالمية، وتتمتع مع ذلك بالدعم، كذلك فإن الوقود يفيد الغني كما الفقير. ويقدم الببلاوي شهادته عن حكومة الدكتور عصام شرف، مؤكداً أن بعض أعضائها، كان على أعلى درجة من الكفاءة الفنية والإخلاص الوطني، والاستعداد للبذل والعطاء.

ويبدو، كما يقول المؤلف، ان "نعمة" خروج هذه الوزارة من ميدان التحرير، تحوّلت إلى "نقمة"، فأصبح الشاغل الأكبر للحكومة، "الاستجابة" إلى طلبات الشارع، أكثر منه قيادته، وانزوت الحكومة في مأزق ردود الفعل، وبات الشارع دائماً مشغولاً في توفير احتياجاته الآنية، في حين أن مسؤولية القيادة، تأمين المستقبل إلى جانب الحاضر.

كما أنها تتطلب بعض الحزم، إن لم يك كثيراً منه، ومواجهة الرأي العام بما يجب أن يسمعه، وليس بما يحب أن يسمعه. وهذا يتطلب كثيراً من الصوت الحازم أحياناً.

وذلك بينما كان رئيس الوزراء، جم الأدب، ونادراً ما يرفع صوته، ولم يحدث أن رآه الببلاوي، يوما ".. يتكلم بصوت مرتفع، إذ كانت رقة رئيس الوزراء أكثر بكثير مما نستحق أو نحتاج".

ويروي المؤلف، أنه بعد أن قدمت حكومة عصام شرف استقالتها، عرض عليه الفريق سامي عنان: "عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، أن يقوم هو بتشكيل الحكومة الجديدة، مؤكداً له أنه يعد من الذين يحظون باحترام كبير، وأنه شخصية مقبولة، وعلى دراية بالملف الاقتصادي، وله علاقات طيبة مع الأوساط المالية الدولية والأجنبية.

ولكن كان رد الببلاوي، انه لا يتمتع بالتأييد الشعبي الكافي، وأنه كان عضواً في حكومة شرف، وهي موضع اتهام في هذه اللحظة.. واعتذر للفريق سامي عنان.

 

تجربة وحكايات

 

يمثل الكتاب، حكايات ومعايشات، يسجلها ويسردها الدكتور حازم الببلاوي نائب رئيس الوزراء ووزير المالية المصري السابق، مقدماً فيها، بعض ملامح تجربته في حكومة مصر، خلال الفترة القصيرة التي تولى فيها المسؤولية الوزارية. وبالتحديد، من منتصف يوليو إلى منتصف نوفمبر عام 2011. ويشير إلى أنه لم يك هدفه من ذلك، تبرير ما فعله أو ما لم يفعله، بقدر ما اهتم بتفسير وشرح الأسباب التي دفعته إلى الاهتمام بأمور محددة، على حساب أخرى غيرها. وهو لا يقدم - في الكتاب - اعتذاراً، كما لا يبحث عن شكر أو تقدير.

 

المؤلف في سطور

 

الدكتور حازم الببلاوي، اقتصادي وكاتب مصري. من مواليد عام 1936. حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1957، وعلى الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة باريس. ثم عمل أستاذاً زائراً في جامعات عديدة. وشغل مناصب مرموقة كثيرة، منها: رئيس مجلس إدارة البنك المصري لتنمية الصادرات.

الكتاب: أربعة شهور في قفص الحكومة.

تأليف: الدكتور حازم الببلاوي

الناشر: دار الشروق القاهرة 2012

الصفحات: 182 صفحة

القطع: المتوسط