تقول بعض الإحصاءات الفرنسية الصادرة عن مؤسسات البحث المتخصصة، إن الأراضي الزراعية تتقلّص في كل سبع سنوات، بما يعادل مساحة محافظة كاملة. وهذا يعني وجود خطر حقيقي على الإنتاج الزراعي ويسمح بطرح سؤال: "كيف سنأكل غداً"؟ من قبل باحثين في مجال البيئة، أحدهما مؤسس الوكالة الفرنسية للأمن الصحي والبيئي، اندريه اشييري، والآخر أستاذ التنمية المستدامة في جامعة باريس الثامنة. وذلك في كتابهما المشترك: "نهاية الأراضي".
يؤكد المؤلفان أن انحسار مساحات الأراضي القابلة للزراعة، هو قبل كل شيء، نتيجة لاجتياح النهم العمراني الذي يستهلك الأراضي ويقلّص كل سنة، أكثر فأكثر، القدرة على الإنتاج الزراعي. وهذا يصح على فرنسا حيث تتعاظم الحاجة لاستيراد السلع الغذائية، مما يهدد، وعلى المدى الأطول، فقدان البلاد سيادتها الغذائية. وذلك بمقدار سرعة زحف الاسمنت.
ولكن التوسع العمراني "الكثيف"، ليس سبباً وحيداً، إذ هناك سبب مهم آخر، يحدده المؤلفان بالعمل على إنتاج المحاصيل الزراعية التي يمكن استخدامها في إنتاج الطاقة البديلة، تحسّباً لمواجهة منظور شبح مصادر الطاقة الحالية السائدة، وعلى رأسها البترول. هكذا مثلاً، قامت شركات دولية كبرى (متعددة الجنسيات)، بوضع يدها على مساحات واسعة من الأراضي على ضفاف نهر السنغال بإفريقيا، من دون أن يثير ذلك، المخاوف في البداية.
ولكن سرعان ما انتشرت الحقول الشاسعة المكرسّة لإنتاج المزروعات المستخدمة في الحصول على الطاقة البديلة. وبالمقابل لم يبق لدى الأسر الفلاحية المحلية التي يقدّر عددها بـ15000 أسرة، سوى بحوالي 100 هكتار لإنتاج الغذاء. والنتيجـــة المباشرة هي استحالة التنمية وتعرّض الاكتفاء الذاتي الغذائي للخطر.
ما تتم ملاحظته من قبل المؤلفين، أن الرهان الزراعي غداً أحد الموضوعات الرئيسية المطروحة على ساحة النقاش العام. ومحاولـــة الإجابة في إطاره على أربعة أسئلة أساسية، وهي: كيف يمكن تأمين الغذاء لسكان العالم الذين يتزايد عددهم سبعة مليارات اليوم، وقريباً تسعة مليارات- والذين تتعاظم أيضاً مطالبهم الغذائية نفسها، من حيث أنماط الاستهلاك وكمياته والبحث عن التنوّع فيه؟ السؤال الثاني:
كيف يمكن الاستجابة لذلك في ظل تقلّص مساحة الأراضي القابلة للزراعة؟ والثالث: كيف يمكن أقلمة النظام الإنتاجي المكثف مع الشحّ المعلن لمصادر الطاقة؟ ثم السؤال الرابع والأخير: ما هو تأثير التطور المناخي على قـــدرة إنتاج الأراضـــي الزراعية؟
الإجابات على هذه الأسئلة، يقدمها المؤلفان في فصول الكتاب الستة. وفي الثلاثة الأولى يستعرضان: "الرهانات المنذرة بالخطر" للوضع الحالي في عالم اليوم. وفي الفصل الأول الذي يحمل عنوان: "استعمار عالمي جديد"، يشدد الباحثان على شمولية عالمية - الوضع الزراعي العالمي، إذ تجري مواجهة الرهانات نفسها، وأيضاً المستلزمات السياسية والمناخية والتقنية والمستقبلية، ذاتها.
ويقدم المؤلفان في الفصل الثاني: "إنهـــاك الأراضـــي والبشر"، جرداً مفصّـــلاً للتهديدات التي تثقل على النشاط الزراعي، ويوضحان في هذا الإطـــار أهميـــة أشكــــال التداخل بين المنظومات الزراعية، والمجموعات الاجتماعية المعنية بها. كما يناقش هذا الفصل أشكال العجز التي تعاني منها السياسات الزراعية السائدة اليوم.
ويعالج الفصل الثالث مسألة العلاقة بين الدول وما يسمى بمجموعات الضغط، أي "الدول في خدمة مجموعات الضغط - اللوبي"، كما يقول عنوانه. يجد القارئ هنا مدى الوزن الكبير للمجموعات المعنية عبر استخدام آليات رأس المال في العالم الزراعي. وكذلك عبر تحديد السياسات الزراعية الوطنية في مختلف بلدان العالم.
تتضمن الفصول الثلاثة الأخيرة من الكتاب، مجموعة من الاقتراحـــات والأفكـــار التي ربما تسمح، كما يرى المؤلفان، بالخروج من السياق الزراعي الحالي الذي يُنذر بعواقـــب مأساويــــة، خاصة بالنسبة إلى الأجيال القادمة. هكذا يناقش الفصل الرابع "إعادة التفكير بالمسألة العقارية".
وتحت عنوان "علينا أن نأكل بطريقة مختلفة"، عنوان الفصل الخامس، يؤكد المؤلفان ضرورة تجديد النظرة إلى نمط الاستهلاك الغذائي.
أما في الفصل السادس: "أعيدوا الأرض لأولئك الذين يزرعونها ويحمـــون التنـــوع البيئي"، فيشتمل على توصيف للعديد مـــن المبادرات التي تبنّيت في مناطق عديدة من العالم، إذ ركّز القائمون بها على طـــرق تجديدية في إدارة الأرض، على أصعــدة محلية، والمطالبـة بتعميــــم مثل هذه المبادرات. ويقترح المؤلفان فرض ضريبة على كل عمل "يخرّب الأراضـــي الزراعية والمجالات الطبيعية.
ويبين المؤلفان، أنه أصل 15 مليار هكتار من اليابسة، هناك 2,5 مليار صالحة للزراعــة، منها 1,6 مليار مزروعـــة. ولكن 14 مليون هكتـــار منها تختفي سنوياً، وهكذا فـ"من أين سنأكل غداً"؟
تحوّل خطر
يحدد الكتاب الظاهرة التي ينطلق منها في معالجاته لمشكلة بيئية عصرية ملحة، بتوصيف: "التحول الكبير" الذي يطرأ على استخدام البشر للأرض. ويشير المؤلفان هنا إلى اختفاء الأراضي الزراعية والطبيعية أيضاً، من غابات وغيرها، في بلد متقدم مثل فرنسا، كما في عمق أعماق القارة الإفريقية. ويريان أن القاسم المشترك بين جميع الحالات، هو كون هذا الانزلاق يفقد البشر مصادر تغذيتهم.
المؤلفان في سطور
اندريه اشييري، رئيس بلدية مدينة موان سارتو الفرنسية منذ عام 1974. برلماني سابق ومدافع معروف عن البيئة. أسس عام 2000 الوكالة الفرنسية للأمن الصحي والبيئي. من مؤلفاته: "فرنسا السامة". أما مود لولييفر، فهي محامية فرنسية، تحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، وتدرس التنمية المستدامة في جامعة باريس الثامنة.
الكتاب: نهاية الأراضي.. كيف سنأكل غداً
تأليف: اندريه اشنييري، مود لولييفر
الناشر: سكرينيو - باريس- 2012
الصفحات: 163 صفحة
القطع: المتوسط
La fin des terres
André Aschieri, Maud Lelièvre
Scrineo - Paris - 2012
163 .p
