يقال عن لندن، إنها أحد أقدم وأجمل وأكبر مدن العالم. وكانت لفترة طويلة، قلب النشاط الاقتصادي والمالي، على المستوى الدولي. ولكن الشاعر والناقد الانجليزي مارك فورد، يقدمها من منظور مختلف تماماً، إذ إنه يؤرّخ لها من خلال إبداعات كبار الشعراء البريطانيين، على مدى ستة قرون من الزمن. وذلك في كتاب: "لندن.. التاريخ شعراً".

يؤكد المؤلف أن لندن، التي يقال إنها عجينة المدن كلّها، أوحت دائماً للشعراء بما يقولونه من إبداع، وأصبح ما قالــوه، بالمقابـــل، وسيلة لفهم المدينة. ولا يتردد المؤلف في القول إن أكبر الشعراء والمبدعين الأدبيين البريطانيين، تركوا خلفهم من الآثار الشعرية ما خلدوا به العاصمة البريطانية لندن.

وهكذا نقرأ مقتطفات مما كتبه شعراء مثل شوسير وسيسر وشكسبير وميلتون وبوب وت. س. اليوت. ولا يكتفي المؤلف بهؤلاء الكبار، لكنه يقدم بعض المقتطفات لشعراء مغمورين لم يسمع بهم سوى قلة من الناس.

 ومحصلة ذلك ليست أقل من تقديم "تاريخ ثقافي" لمدينة بكل مظاهر الحياة فيها، وبكل الأمكنة من مقاهيها وحاناتها إلى شوارعها الجميلة. ويشرح مارك فورد، كيف أن الأشعار التي قيلت عن لندن أو من وحيها، إنما تمثل جميع شرائح وفئات سكانها الاجتماعية، على مدى القرون التي تغطيها الفترة المدروسة.

وتستحضر الأشعار المقدمة، اللحظات الكبرى في حياة مدينة لندن، ولكن أيضاً اللحظات الصعبة. وهكذا يجد القارئ في الكثير من الأشعار، صدى مباشراً لأحداث التاريخ الكبرى التي عاشتها المدينة.

وليس أقل تلك الأحداث شهرة، إعدام شارل الأول، والحريق الكبير الذي تعرضت له المدينة في القرن التاسع عشر، ودمّر أحياءً كاملة منها، وعمليات القصف من القوات النازية على لندن، أثناء الحرب العالمية الثانية. ولكن غالبية الأشعار تعكس حياة البشر العادية وأشكال قلقهم اليومي، عبر عدة قرون.

ويشير مؤلف الكتاب مارك فورد، إلى أن لندن كما يتم توصيفها في أشعار ادموند سبنسر وبين جونسون، تبدو بعيدة وغريبة جداً عن لندن اليوم، حيث يجري الحديث عن ألوان واستعراضــات وعقائد لم تعد موجودة.

ولكن العديد من الأشعار تتحدث بالمقابل، عن الشوارع والأزقة والصروح المعاصرة، نفسها، إلى درجة أن المؤلف يرى أن المقتطفات الشعرية التي يتم تقديمها، يمكنها أن تقوم بوظيفة دليل سياحي. وفي الكثير من الأشعار المقدّمة يصادف القارئ عبر القرون:

الباعة في الشوارع وهم ينادون للترويج لـبضائعهم، والتي كانت تمثلها في القرن الخامس عشر: ثمار التوت الناضجة، عجائن الخوخ الساخنة في القرن الثامن عشر. وإذا كان باعة اليوم يقدّمون مستوى بضائع أعلى في سوق ليدنهال فإنه لا تزال تباع العجائن ذاتها تقريباً. إن النداءات التي تزخر بها قصيدة "نزهة في حديقة سان جيمس"، التي تعود إلى القرن السابع عشر، لا تزال تجد أصداءها القويّة حتى الوقت الراهن.

وترسم الأشعار مدينة لندن بوجهيها: الحضاري الرائع "النظيف"، الآخر القاتم والقذر. وما كتبه جوناثان سويفت في عام 1710، في وصف المدينة، يدفع القارئ كي يبتسم إعجاباً، ولكن، ربما يصاب بالغثيان، عندما يقرأ وصف فيضان المياه في الشوارع، ليحمل معه مخلفات متاجر بيع اللحوم المختلطة بالدماء، حيث كل شيء غارق بالوحل وتغلب مناظر الهررة الغارقة الميتة وأوراق الخضار المهترئة. وفي شعر لـميرن بيك، نطالع توصيفاً للندن بعد الحرب العالمية الثانية، مفعم بالحديث عن الركام والموتى، ومن وفّرهم الموت.

وما يؤكده المؤلف، أنه لم يكن هناك الكثير ممن يخطر لهم أن هناك قدراً كبيراً من الأشعار التي خلّد أصحابها مدينة لندن. ويضيف ان مفاجأته هو نفسه، كانت كبيرة عندما اكتشف أن المدينة موجودة لدى جميع الشعراء الانجليز الكبار تقريباً.

وهذا هو الإحساس الذي يستولي على من يتنقّل بين صفحات الكتاب، إذ تتعدد مشاهد المدينة، بحيث تكتسي صورة جديدة، حتى بالنسبة لأولئك الذين كانوا يعتقدون أنهم يعرفونها، وإذ بهم يجدون أنفسهم وكأنهم يتعرفون عليها للمرة الأولى، كما يشير مارك فورد.

ومن خلال الأشعار الزاخرة بقدر أكبر من الحيوية والدينامية في الكتاب، يقود المؤلف قارئه، إلى قلب المدينة الخيالية، حسب تعبير للشاعر ت. س. اليوت. والأشعار المعنية يصفها مارك فورد، بأنها مولودة في لندن وتدخل في نقاش مع لندن. وكذلك تخوض معركة مع لندن وفي ظل الخشية من لندن. كما أن أغلبيتها جرى نشرها في لندن. وعبر هذا كله، تؤرخ بامتياز لمدينة لندن.

وتتحدث أشعار كثيرة عن نهر التايمز، كي يكتمل المشهد الشعري في التأريخ لمدينة لندن. وهكذا كتب الشاعر سبنسر، قبل أكثر من أربعة قرون "نهر التايمز العذب؟ إنه ينساب بعذوبة حتى أنتهي من أنشودتي". ودلّت أشعار عديدة أخرى إلى التايمز الذي وصفته بالخالد.

 

المؤلف في سطور

 

مارك فورد، شاعر بريطاني وأستاذ الأدب الإنجليزي في جامعات لندن. وهو أحد النقّاد الأدبيين المعروفين بمساهماتهم في مختلف الدوريات البريطانية المتخصصة.

 

الكتاب: لندن.. التاريخ شعراً

تأليف: مارك فورد

الناشر: بلكناب (جامعة هارفارد)- 2012

الصفحات: 784 صفحة

القطع: المتوسط

 

London, a history in verse

Mark Ford

Belknap Press of Harvard University - 2012

784 .p