يتردد كثيرا الحديث عن الموضوعية والذاتية. وإذا كانت الذاتية لا تخضع إلى قوانين صارمة ولا تاريخ لها، فإن الموضوعية، وعلى العكس من ذلك، لها تاريخها. هذا ما يؤكده مؤلفا كتاب "الموضوعية": لورين داتسون- مدير معهد تاريخ العلوم في مدينة برلين، بيتر غاليسون- أستاذ تاريخ العلوم والفيزياء في جامعة هارفارد.
يشير المؤلفان إلى انه للموضوعية تاريخها. ومن ثم يضيفان:".. تكشّف أن هذا التاريخ زاخر بالمفاجآت". وفي كل الحالات، نجدهما يحاولان كتابة هذا التاريخ، ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر، حين برزت الموضوعية في ميدان العلوم، أي ميدان اهتمامهما الرئيسي.
ويستعرضان نقطة مهمة من خلال تساؤلات البعض: متى سنبدأ نتحدث موضوعيا؟
وفي معرض الإجابة عن مثل هذا السؤال، يرى المؤلفان، أن ذلك الذي يطرح مثل هذا السؤال، إنما يلج أرضا ملغومة، ولا يدرك بالضرورة أنه يفعل ذلك. لا بل على العكس، فربما يظن أنه يضع حدّا لنقاش لا ينتهي بين الآراء والقيم والتأويلات والتفسيرات ذات الطابع الشخصي في أغلب الأحوال، أي ما يمكن إجماله تحت خانة ما هو ذاتي من جهة، وبين الموضوعية من جهة أخرى.
وهذه الموضوعية تخص بالأحرى، الوقائع التي تحكم علاقاتها، علاقات كونية مفروضة على الجميع، بعيدا عن ذاتياتهم. ولكن التعبير عن الموضوعية، يتطلب بالضرورة، الحديث عنها. فكيف ينبغي أن يحدث ذلك؟ فهل الحديث بعقلانية أم بحيادية أم ببرود أم بجديّة "تليق بها"؟ ويجيب المؤلفان بأنه، وفي كل الحالات، يبدو من المطلوب تقديم ما يكفي من الحجج والبراهين.
وهنا تبرز ضرورة اللجوء إلى الوثائق ومصادرها وكيفية إنتاجها وطرق الحصول عليها. ولكن تبقى القناعة بدقتها، مرتبطة بمدى الثقة بالشخص الذي يقدمها. وهنا تعود الدورة إلى مسألة الثقة بالذاتية. ذلك أن كل ذاتية يمكن أن تلعب دورا في كيفية صياغة الحقائق، والوصول إلى البراهين التي يراد أصلا، الوصول إليها.
إن مؤلفي الكتاب، والمؤرخين الشهيرين في مجال تاريخ العلوم، يتقصيان في هذا العمل ما يسميانه بـ: الحركات المتناقضة، التي تواجهنا في كل مرة نلفظ فيها صفة موضوعية. ويبدو في كل مرة، أن الموضوعية والذاتية، تحتلاّن طرفين يشدّ كل منهما في الاتجاه المعاكس للآخر.
وصفة موضوعي تستدعي الانتباه كثيرا، لما تحتوي عليه من شحنة "اللامبالاة" حيال الذاتيات والقيم السائدة، ولكنها تدفع، بالوقت نفسه، نحو تبنّي أرفع القيم، ذلك أن الموضوعية تتطلّب النزاهة والأخلاق المتجرّدة عن المصالح الخاصة.
كما أن الموضوعية، والتي يفترض أنها بعيدة عن كل تاريخ، لها تاريخها الذي أهمله تاريخ الذهنيات، كما يكتب المؤلفان. ذلك أنها تدعونا إلى ملاحظة العالم الخارجي: العالم الموضوعي، وتحثنا على رؤيته كما هو، وليس كما نفكر فيه.
وتجري الإشارة إلى أنه من المستحيل عمليا، الوصول إلى درجة كاملة من الموضوعية، بمعنى الحيادية المطلقة، في النظر إلى العالم وفي طريقة تقديمه إلى الآخرين. وذلك أن هذا العالم نراه عبر مجموعة من المفاهيم، تكوّنت لدينا من خلال المسار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والعقائدي الذي تعرفه حياتنا.
ويبين المؤلفان أن الحرب من أجل الموضوعية، هي بالدرجة الأولى، حرب ضد الذاتية. ويريان أنها كانت (الموضوعية)، في الغرب الأوروبي، منذ القرن التاسع عشر، حربا ضد "الأنا" المتضخّمة. وذلك تحت عنوان: "الموضوعية العلمية"، التي وجدت تجسيدها في أكثر من قاموس- أطلس- علمي. وبهذا المعنى يؤكدان أن للموضوعية تاريخها. وبذا فهي ليست مفهوما خارجا عن الزمن، كما يدّعي البعض.
ويشير المؤلفان إلى أن هناك فرقا كبيرا بين، الموضوعية والحقيقة. إذ إن وصف شيء ما، كما يبدو لنا، أمر لا يعني بالضرورة، وصفه كما هو في الحقيقة والواقع. ويشرح المؤلفان، بإسهاب، التحولات في التمييز بين الموضوعية والحقيقة التي عرفها عصر التنوير الفرنسي القرن الثامن عشر- وأواسط القرن التاسع عشر.
ويميزان في هذا الإطار، بين ثلاث مراحل: الأولى عرفها القرن الثامن عشر، حيث ساد مفهوم "الحقيقة كما تقدمها الطبيعة". ثم ساد تيار جديد في أواسط القرن التاسع عشر، إذ أظهر بعض العلماء رفضهم لمثل تلك الممارسة. واعتبروها ذاتية، ودعوا بالمقابل، إلى ضرورة أن تكون الصورة بمثابة نقل ميكانيكي لما يرى.
أما علماء القرن العشرين، فاعتبروا أن النظرة من الخارج للطبيعة والتأمل فيها، تسمح، إلى هذه الدرجة أو تلك، بسبر خفاياها، ومن خلال هذه التحولات، ينبّه المؤلفان إلى ضرورة الحذر من البساطة، التي تبدو وراء مقولة : عليكم أن تكونوا موضوعيين.
ويرى المؤلفان أن الذاتية والموضوعية لا يمكن أن توجد إحداهما، من دون الأخرى. ولكن الغلبة الكاملة لهذه أو لتلك، ربما تعني الابتعاد عن الحقيقة، تبعا لزاوية الرؤية.
الحقيقة
يميّز مؤلفا الكتاب بين مفهوم الموضوعية، وفضيلة منافسة: "الحقيقة". ويشيران إلى أن مفهوم الموضوعية، يتضمن، بحد ذاته، طريقة للرؤية، تمتاز بأنها ذات أبعاد اجتماعية وعلمية وجمالية وأخلاقية، في الوقت نفسه. ويقصد المؤلفان بالتحديد: "الموضوعية في التفكير العلمي".
المؤلفان في سطور
لورين داتسون، مديرة معهد متخصص في تاريخ العلوم، في مدينة برلين الألمانية.
أما بيتر غاليسون، فهو أستاذ تاريخ العلوم والفيزياء في جامعة هارفارد. ومن مؤلفاته: ساعات انشتاين وخرائط بوانكاريه: ممالك الزمن.
الكتاب: الموضوعية
تأليف: لورين ج. داتسون،
بيتر غاليسون
الناشر: زون بوكس
نيويورك 2011
الصفحات: 501 صفحة
القطع: المتوسط
Objectivity
Lorraine J. Datson, Peter Galison
Zone Books
New York 2011
501 .P
