معروف عن ادولف هتلر، أنه ذلك القائد النازي الذي أشعل نار الحرب العالمية الثانية، في عام 1939. كما أنه مارس، باسم تفوّق العرق الآري، جميع أشكال التصفيات العرقية، وكافة أشكال التمييز ضد غير الألمان. ولكن هذا الرجل القاسي، كان محط إعجاب الكثير من أبناء شعبه ومواطنيه العاديين.
وهو ما تبرهن عليه تلك الرسائل التي جرى اكتشافها في أرشيف مدينة موسكو، وغيرها. والتي صدرت في كتاب أشرف عليه الأستاذ الجامعي المتخصص في التاريخ الألماني الحديث، هنريل ايبرل، بعنوان: "رسائل إلى هتلر". ويؤكد ايبرل أنه فتّش عن هذه الرسائل، بين أكثر من 20000 رسالة، موجودة في أرشيف موسكو خاصّة.
يدل بعض الرسائل المنشورة في هذا الكتاب، على أن أصحابها، أناس عاديون. كما أنهم معجبون بالفوهرر ادولف هتلر. هكذا نقرأ ما كتبته المعجبة جينا: "أحبك كثيرا. أكتب لي من فضلك. التوقيع: جينا المعجبة بك". هذه الكلمات تبدو مكتوبة بيد طفل، وكرسالة حب. ولكنها تكتسي أهميتها الحقيقية، انطلاقا من كونها موجهة إلى أدولف هتلر. ذلك أنها ذات دلالة كبيرة على "ذهنية الألمان خلال الفترة النازية، كما يشير المؤلف- المشرف.
ويؤكد ابيرل القول، أنه من المهم، في هذا السياق، إظهار مختلف أنواع الرسائل. وذلك كونها تحتوي على مشاعر بشر عاديين. إلا أن بعضها، أيضا، يحتوي على أفكار عدد من المشاهير في زمنها. وذلك على أساس أن النازيين كانوا يحتفظون بكل صغيرة وكبيرة، تخص هتلر. وكانوا يحفظون ذلك جيدا، مثل ما تدل الرسائل المكدّسة في برلين، والتي استولت عليها عناصر من الجيش السوفييتي، عند نهاية الحرب العالمية الثانية. وأخذها الجنود معهم إلى موسكو. ومن ثم عثر عليها، بعد عقود من الضياع، في الارشيف الخاص بجهاز الاستخبارات السوفييتي الشهير "كا.جي.بي".
والرسائل المنشورة في الكتاب، مع تعليق لها، على مدى 240 صفحة، تضم رسائل المعجبين، مثل جينا الصغيرة التي تعلن عن حبّها الكبير لأدولف هتلر. وأيضا، رسائل أساتذة وطلبة ورجال كنيسة ورجال أعمال. وهؤلاء جميعاً، يعربون عن عرفانهم بالجميل لهتلر، ل:"تقليص حدة الفقر" أو "إعادة الكرامة إلى الشعب الألماني".
واللافت أن كل رسالة من الرسائل المنشورة، الموجهة من أجل الألمان، إلى أدولف هتلر، ومهما كانت طبيعتها، مرفقة في الكتاب، بتعليق يشرح السياق الاجتماعي لصاحبها، ولما يعنيه مضمونها بالنسبة إلى البعد النازي.
ويبدو الكتاب، في هذا الصدد، وفي أحد وجوهه الأساسية، نوعا من التأريخ لألمانيا النازية، عبر هذه الرسائل. كما يشرح التعليق أيضاً، الإجراءات البيروقراطية التي أحاطت بالرسائل الموجهة إلى أدولف هتلر.
ويؤكد المؤلف في هذا الإطار، على أن الفوهرر لم يقرأ أبدا أية رسالة منها، أو ربما النادر منها. كما ان الجهة المتخصصة في الجهاز السري النازي الغستابو- كانت هي التي تردّ على تلك الرسائل، بالشكر أو بـإلقاء القبض، على أصحابها. والسمة العامة لأصحاب الرسائل هي أنهم لم يكونوا، بغالبيتهم، يعرفون هتلر، سوى عبر الأخبار والصحف.
ويلفت المؤلف إلى أن "الرسائل إلى هتلر"، موزّعة بين ثلاث مجموعات، تتناظر مع ثلاث فترات من مسار هتلر.
ومن خلال رسائل كل فترة، يبرز التبدّل لدى الرأي العام الألماني، مثل ما تظهره رسائل المجموعة الأولى 1924 ـ 1929، من آمال الألمان بمستقبل أفضل بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى، ثم حالة البؤس التي تنمّ عنها بعض الرسائل، خلال سنوات الكساد الكبير الذي أصاب أوروبا والعالم، منذ عام 1929، ولسنوات كثيرة بعده.
وتلي ذلك، رسائل المجموعة الثانية المفعمة بدعم هتلر، خلال صعود النازية، وتظهر في بعض تلك الرسائل، اللهجة الظافرة لفترة بدايات الحرب العالمية الثانية. ولا تخلو الرسائل الأخيرة من صدى دموع الهزيمة. وبالعموم، فإنها رسائل تكشف عن صورة جديدة لعلاقة هتلر بالشعب الألماني.
ألمان عاديون
حرر هذه الرسائل، مواطنون ألمان عاديون، كما يكتب هنريك ايبرل في مقدمته للكتاب. وهم من الجنسين، رجال ونساء، ومن مختلف الأعمار. أما فترة كتابة تلك الرسائل، فإنها تعود إلى الفترة، بين عامي 1925 و 1945، أي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن ثم المصير المجهول الذي عرفه الفوهرر عند الهجوم الأخير للحلفاء، على معقله في برلين.
المؤلف في سطور
يحمل هنريك ايبرل، شهادة الدكتوراه في التاريخ. ويدرس مادة التاريخ المعاصر في جامعة مارتن لوثر بألمانيا. قدّم العديد من الكتب عن تاريخ الدكتاتورية في ألمانيا. وصدر له عام 2005، بالتعاون مع ماتياس اوهي، كتاب نال شهرة عالمية وجرت ترجمته إلى 30 لغة، تحت عنوان "كتاب هتلر".
الكتاب: رسائل إلى هتلر
تأليف: هنريك ابيرل
الناشر: بوليتي برس
لندن - 2012
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
Letters to hitler
Henrik Eberle
Polity Press- London 2012
240 .P

