من الصفات الشائعة عن مجتمعات استعراضية بامتياز، أن النجوم الإعلاميين هم الذين يمثلون القدوة لدى الملايين من البشر. ويتأتى ذلك على خلفية الاعتقاد، أنهم الأكثر مالا وشهرة وكذا :"الأكثر سعادة". وإذا كانت الصفتان المتعلقتان بالمال والشهرة، صحيحتين، فإن الأستاذ الجامعي ومؤلف ما يزيد على 50 كتابا حول الطبيعة والبيئة، جان ماري بيلت، يؤكد شيئا آخر في ما يتعلّق بالسعادة، من خلال حقيقة مفادها: "سعداء هم البسطاء"، مثلما جاء في عنوان كتابه الأخير، والذي يشرح فيه أن السرين الكبيرين للسعادة، يكمنان في الإيمان والطبيعة.

ويرى المؤلف أنه، وفي هذا الوقت الذي يتكاثر فيه عدد النجوم، هناك بشر لا يعرضهم أحد ولا يسمع بهم آخرون، ولكنهم سعداء في منازلهم البسيطة، وهم قريبون منا إلى درجة أننا لا نراهم، كما نقرأ.

ويعترف المؤلف أن هذا الكتاب هو، من بين كتبه كلها، الذي جلب له أكبر قدر من السعادة. ذلك على خلفية اعتقاده أنه ساهم في إنقاذ ما ينبغي على الإنسان أن يجهد من أجل إنقاذه، أي: الروح. ذلك مثل أولئك الذين تركوا مباهج الحياة المادية وتحوّلوا إلى حياة النسّاك والزاهدين والقديسين. وإذا كان المؤلف يذكر العديد من بين هؤلاء من الأوروبيين، فإنه يكرّس بعض الصفحات لـرابعة العدوية. وصفحات أخرى لهندوسيين وبوذيين، وغيرهم من أولئك الذين يجمعهم في خانة البسطاء، ممن عرفوا كيف يشفون أرواحهم من أطماع الدنيا.

ومن بين فئة هؤلاء البسطاء، يذكر المؤلف عددا من المعاصرين، مثل : روبير شومان، الذي كان رئيسا لوزراء فرنسا، إذ واجه الاضطرابات التي عرفتها بلاده عام 1947، بكثير من الأناة والصبر، ولم يتخلّف عن أداء صلواته كل يوم.

ويروي المؤلف أنه قابل في عام 1979، شخصية استثنائية. ويقصد : مارت روبين، الذي عاش طيلة خمسين عاما، من دون أن يأكل أو يشرب، بل كان يلاحظ من موقعه، كرجل علم الظواهر التي تبدو ما فوق الطبيعة. وهذا ما يخلص منه إلى القول: "عندما تتضاءل قدرة القوى المادية والذهنية، يبدو الأمر وكأن السبيل قد انفتح كي تبرز قدرات جديدة. إن مجتمعنا يقدّم الدليل على ضيق أفق كبير، عبر رفضه الاعتراف بمثل هذه الوقائع المثبتة مع ذلك". ويضيف في مكان آخر: "نحن في بلاد ديكارت ولسنا منفتحين على مثل هذه الظواهر (...). نحن في عالم .. لا يستطيع قبول الوقائع الاستثنائية".

ومن الشخصيات التي يأتي المؤلف على ذكرها، القديس توما الاكويني، الذي "اكتشفه" كما يقول، وهو يقوم بالإعداد لتحرير هذا الكتاب. ويقول عنه: "إنني أحبه كثيرا، إذ كان صاحب الدماغ الأكبر في عصره.

إن مؤلف الكتاب يتحدث في الواقع، على غرار أولئك الذين كانوا قد أعدوا أعمالاً تحت عناوين كثيرة، مثل: "التداوي بالأعشاب" أو ما شابه ذلك، والتي ترمي كلها إلى "مداواة الجسد". لكن مؤلف الكتاب يرمي إلى "مداواة الروح"، وبالتحديد عبر مرافقة أولئك البسطاء والزهّاد.

وإذا كان مؤلف الكتاب ينطلق من موقع رجل "العلم" و"التأمل" بالوقت نفسه، فإنه يؤكد كذلك انتماءه لعصره. ويقول : "في مجتمعنا المشبع بوسائل التواصل والإعلام، ليست هناك نماذج موديلات- نقترحها لشبابنا". السائد ليس نماذج البسطاء ولكن عمالقة المال بينما البسطاء القديسون- هم عمالقة المحبة".

ومن ما يرويه المؤلف، تجربته الخاصة عندما كان عمره 45 سنة. تحت عنوان: "حدائق الروح"، إذ فقد آنذاك، الأغلى على قلبه، وانغمس في حالة من الانهيار العصبي. "كنت في قاع البئر، ولم ينفع الدواء النفسي ولا العقاقير ولا غيرها". وكان دواؤه عند صديق- قس حيث نقرأ: "لقد انطلقت حياتي بطريقة أخرى بعد أن تحررت وتحوّلت، خاصة علاقاتي مع الآخرين".

 

الزهور العطرة

 

يحدد المؤلف القول، ان السمة المشتركة بين جميع أولئك الذين يذكرهم، تكمن في أنهم كانوا يلتقون في "الإيمان ومحبة البشر والطبيعة". ويقول عنهم "سعداء هم البسطاء الذين، مثل الزهور العطرة، يكشفون عن مزاياهم لأولئك الذين يعرفون جمال أسرار البساطة".

 

المؤلف في سطور

 

جان ماري بيلت، عالم نبات ومتخصص في البيئة وفي العقاقير الطبية. عمل أستاذا في كلية الصيدلة في جامعة مدينة نانسي، ثم في جامعة مدينة ميتز في شرق فرنسا. أسس المعهد الأوروبي لعلوم البيئة، وتولى عدة مهمات إلى أفغانستان والمغرب وساحل العاج. كما قدّم أكثر من خمسين كتاباَ حول الطبيعة ومسائل البيئة.

 

الكتاب: سعداء هم البسطاء

تأليف: جان ماري بيلت

الناشر: فلاماريون - باريس- 2011

الصفحات: 276 صفحة

القطع: المتوسط

 

Heureux les simples

Jean-Marie Pelt

Falmmarion - Paris- 2011

276 .p