يتألف كتاب" حكايات تروى في جبل العرب"، لمؤلفيه د. ثائر زين الدين وفوزات رزق، من ثلاثة أنواع من الحكايات. الأول: حكايات شعبية تروى في منطقة جبل العرب (جنوب سورية)، ولا تُروى في مكان آخر. والثاني: حكايات سمعها المؤلفان في جبل العرب، ولكنهما وقعا لها على روايات مشابهة في مناطق سورية أخرى، بصياغات تختلف قليلاً أو كثيراً عنها.
والثالث: حكايات أطلقا عليها اسم (سيرة وانفتحت)، وهي واقعية، حَدَثَتْ فعلاً، وأشخاصُها معروفون، وكذلك زمانُها ومكانُها، وجردها المؤلفان من التسمية والزمان والمكان، لتصبح ذات دلالة حياتية متعددة.
ويحاول المؤلفان في البحث النظري الأول، تأصيل مفهوم الحكي، وإلقاء الضوء على سحره الذي يستولي على المتلقي فلا يعود يهتم لواقعية الحدث المروي، بمعنى أنه لا يسأل عن الكيفية التي خرج بموجبها المارد من القمقم.. أو كيف دخل إلى القمقم من قبل، بل يريد أن يعرف ماذا فعل المارد بعد خروجه، ليتابع تلك الأحداث بشغف.
ويذكران قصصا كثيرة، ومنها انه يحكى، على سبيل المثال، أن أسداً وثعلباً ذهبا إلى الصيد معاً، واصطادا أرنباً وغزالاً، ورجعا إلى الغابة لاقتسام الصيد، فقال الأسد للثعلب: اقسم بيننا يا ثعلب. فقال الثعلب: كيف أقسم وأنت موجود يا سيد الغابة؟ اقسم أنت.
فقال الأسد: أنت حر فيما تريد، فإن أردتَ الأرنب خذ الأرنب، وإن أردتَ الغزال خذ الأرنب! ونجد أن القارىء المسحور بالحكاية لا يستغرب هذا السلوك البشري الذي يقوم به بطلا الحكاية، مع أنهما حيوانان، (كالذهاب إلى الصيد، وتبادل الحوار حول القسمة)، بل إنه يتوقف عند الحالة التسلطية للأسد الذي يسرق جهد الآخرين، ويستولي على مقدراتهم بالقوة.
ومن هنا يمكن القول بأنه ثمة حكايات خرافية، وهي تلك التي تعتمد شخصيات وأمكنة وأحداثاً ميتافيزيقية، كحكايات الجن والمردة والغيلان. وثمة حكايات شعبية تقدم أمثولة أو درساً أخلاقياً أو اجتماعياً أو دينياً.. وقد وصف الباحث (فريدريك دير لان) الحكايات، بشقيها الخرافي والشعبي، بأنها ليست ثرثرة عجائز، ولا هي اختراع صرف، وإنما هي ملك الشعب، ونتاج قواه الإبداعية.
ونطالع في الكتاب، الكثير من المواقف التي نتبين فيها كيف تأتي الحكاية أحياناً لتخترق المسكوت عنه، وتتعاطى مع تجليات الاستبداد، ولتدين الظلم والقهر والعسف، بطريقة شفيفة ممزوجة بالسخرية اللاذعة، كتلك التي تتحدث عن ملك تخفى بزي درويش، ونزل بين الناس، وأخذ يسألهم: كيف مليككم؟ فيجيبه الجميع، دون استثناء، برفع اليدين إلى السماء والدعاء لله أن يقصف عمره، ويريحهم منه ومن مظالمه، وهكذا حتى وصل إلى دكان إسكافي، فسلم عليه ودخل، ثم سأله السؤال ذاته، فقال الإسكافي: " أطال الله عمره، وأبقاه فوق رؤوسنا".
فاستغرب الملك هذا الجواب الشاذ، وسأله عن سبب دعائه للملك بطول العمر، فقال إنه عاصر جَد الملك الذي اغتصب ربع أرزاق الناس، ثم جاء أبوه فاغتصب الربع الثاني، وجاء هو واغتصب الربع الثالث، وهو الآن يدعو له بطول البقاء، لئلا يموت ويأتي وريثه السافل فيجهز على ما تبقى من أرزاق الناس!.
ونلاحظ انه تبنت الحكاية الشعبية، من خلال ما يعرضه الكتاب، فكرة (الشخصيات المانحة)، التي تظهر في ذروة أزمة البطل، فتمنحه مفاتيح الحل، فسعلاي الدين الذي راح يبحث عن عروس من عامة الشعب تفوق ملكة العراق التي تزوجها أخوه الأكبر، وابنة ملكة اليمن التي تزوجها أخوه الأوسط، وحين أعياه البحث، وضاقت به السبل، ظهرت له دجاجة وعرضت عليه أن يتزوجها، ليكتشف أنها جنية تزيت بزي دجاجة، وقد بزت الدجاجةُ العروسين في تقديم أفخر وجبة للملك.
والمؤلفان، من جهة أخرى، يعتبران أن الحكاية تنتمي إلى الأدب الشفاهي، وبالتالي ينبغي الحفاظ عليها كما هي، دونما تحوير، مستفيدين من نصيحة أبي عثمان الجاحظ الذي رأى أن (النادرة) تفتقد نكهتها إذا غادرت ثوبها اللفظي الذي ولدت فيه إلى ثوب آخر.
فهو يقول:" إذا سمعتَ بنادرة من نوادر العوام ومُلحة من مُلَح الحشوة والطغام، فإياك أن تستخدم فيها الإعراب، أو أن تتخير لها لفظاً حسناً، فإن ذلك يُفسدُ الإمتاع فيها، ويُخرجها من صورتها، ومن الذي أريدتْ له".
واللافت أن حكايات الكتاب، تمعن في السخرية من الزوج البريء المخدوع، ومثال ذلك ما يحكى، في الجبل، عن امرأة فاسدة، حملت سفاحاً، وأرادت أن تطمس فعلتها الشنعاء، فتزوجت في شهر كانون الثاني (يناير)، من رجل ساذج، ثم ولدت بعد ثلاثة أشهر من زواجهما، أي في نهاية شهر آذار (مارس)، فاستغرب الرجل وسألها: كيف تلدين الآن، ولم يمض على زواجنا تسعة أشهر؟ فقالت له: ومن قال لك إنه لم يمض على زواجنا تسعة أشهر؟ وأخذت يده، وبدأت تعد أشهر الحمل على أصابعه قائلة:
(كانون وكن وكنكنا ثلاثة أشهر.. وشباط وباط وبيطرَّة ثلاثة أشهر، وآذار وذر وذرذرة ثلاثة أشهر.. فكم شهراً صاروا؟). فحسب الرجل أصابعه المعقودة على الأشهر المزعومة فإذا هي تسعة.
فصدق ادعاءها وبارك لها المولود! كما يشير المؤلفان الى حكايا كثيرة، تستخدم للتهكم على الأشخاص الجبناء الذين يدَّعون المرجلة، ويوصف سلوكهم بالـ (المنفخة).. ومثال ذاك، المرأة التي جاءت تزور ابنتها فوجدت أمام الباب ضفدعاً مقتولاً، والضفدع يُسمى في جبل العرب (فحل البُرُنْبُك).. فقالت: "مين قتل فحل البُرُنْبُك؟ مين قدر عليه؟ فأجابها من الداخل، على القافية نفسها: هذا زوج بنتك.. اللي معنقر شاربيه!".
أدب تحريضي
يمثل أدب الكتابة قيمة فكرية وثقافية، يتجلى معها في ثوب الحكاية الشعبية التي هي أقرب ما تكون إلى الأدب التحريضي، وهو يقدم نموذجا فريدا في هذا السياق.. ولئن كان الفيلسوف بيدبا قد نجح، بحكاياته الآسرة، في جذب دبشليم الملك إلى جادة الحق والعدالة، واستطاعت شهرزاد، بواسطة الحكايات شهريار، أن تجعله الملك شهريار المستبد، أن يقلع عن قتل البنات العذارى البريئات.
المؤلفان في سطور
الدكتور ثائر زين الدين، كاتب سوري، لديه دراسات وابحاث متنوعة في المجالات التراثية والثقافية. أما فوزات رزق، فهو باحث سوري متخصص في الأدب والثقافة الشعبية، ولديه مجموعة من المؤلفات.
الكتاب: حكايات تُروى في جبل العرب
تأليف: د. ثائر زين الدين وفوزات رزق
الناشر: دار نون 4 ـ حلب 2012
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
