"لماذا نكون سعداء عندما نستطيع أن نكون طبيعيين؟"، هذا السؤال الغريب هو عنوان العمل الأخير للكاتبة والروائية البريطانية الشهيرة جانيت وينترسون، ابنـــة كونين وجـــون وينترســـون، بالتبنّي، وهي تــــروي فيه، قصتهـــا مع أمّهـــا كونين.

أمّا السؤال الذي يشكل عنوان الكتاب فهو عبارة عن إجابة السيدة وينترسون (الأم)، عن سؤال لإبنتها (المؤلفة)، عندما عبّرت لها، وحين كانت في السادسة عشرة، أنها تطمح إلى السعادة. ولم تكن الأم ترى أن لمفهوم السعادة معنى، فهي لم تكن تنتظر سوى "نهاية العالم".

وتقول المؤلفة، منذ البداية، إنه ليس من الشيء الإيجابي في الحياة، أن تكون للمرء أمّاً متزمتة ومجنونة بذاتها. وهنا تصف أمها بأنها كانت متزمتة في تمسّكها بما تعتقد أنه الإيمان الصحيح بتعاليم الكنيسة، إلى درجة أنها رفضت نهائياً قيامها بواجب الزوجة حيال زوجها. ومن ثمّ انتقل ذلك التزمت إلى بعد آخر، فطال من كانوا قريبين منها، ذلك أنها غدت أكثر فأكثر، عدائية حيالهم كلّهم. وكان على جانيت الصغيرة أن تواجه منذ سنوات طفولتها، كل أشكال عدم التوازن في السلوك، الصادرة عن أمّها.

ولا تتردد المؤلفـــة في القول إنهـــا عاشت قدراً كبيراً من الألم، ومن الإذلال. وتحــــوّل ذلك في داخلها إلى حالة من الغضب، في فــترة من حياتها. وبعد قولها ما يمكن أن يُفهم منه، أن تلك الأم بالتبنّي، هي التي أوحت للمؤلفــــة بروايتها الشهيرة:

"البرتقال ليس الثمرة الوحيدة"، تشير المؤلفة الى أن البشر يحررون دائماً الكتاب نفسه، لكن الحبر ربما يكون أكثر سواداً في بعض المرّات. ونجد المؤلفة لا تتردد بالقول إنها عرفت السعادة عندما أجهشت بالبكاء وهي تقرأ أحد أعمال ت .س. اليوت في مكتبة عامة ببلدة يوركشاير.

وعلى ضوء قراءاتها السريّة لأعمال اليوت وجين اوستن وشكسبير وغـــيرهم، ترى المؤلفة في الكتابة عامّة والشعر خاصّة، تعبيراً عن الرغبة في مواجهة صعوبات الحياة بالنسبة للذين يعانون منها.

إن الحياة التي عاشتها مؤلفــــة الكتاب، منذ طفولتها وحتى حياتها كإنسان بالغ، أي منذ نشوء تلك الطفلة الصغيرة (إبنة الأسرة العاملـــة البسيطـــة في مانشستر)، ووصولاً إلى مرحلة بروزها ككاتبة ذات شهرة كبيرة، تختزلهـــا بالقول إنها معركة مع أمّ كانت متحصّنة وراء قناعاتهـــا المتطرفة حيال الحياة نفسها. ومحاولتها على خلفية مثل تلك القناعات، منع الإبنة عيش كل ما نحبّه، على غرار بقية الأطفال والشباب وحرق مكتبتها، التي كانت قد جمعت محتوياتها من الكتب سرّاً.

الخسارة الأكبر في حيـاة جانيت وينترسون، في كنف أمّ كالتي عاشت معها، هي في جملة مفاصل: "الحب" و"نقص الحب" و"البحث عنه". وهو ما يمثل الموضوع الرئيسي في الكتاب. وتحدد المؤلفة القول إن المشكلة الحقيقية في التعرّف على الحب بكل أشكاله، تكمن في إيجاد منبعه بالنسبة لطفل لم يعرف منه في سنوات تكوّنـــه للانخراط في الحياة، سوى: نسخة من الحبّ المدمّر. إنها الأم التي تبنّتها، ذات الشخصية القاسية.

ولكن ذلك البحث عن الحب، وسط سيل من التعاسة الطبيعية، تجسّد في ما بعد بالعثور على الأم الحقيقية: "آن". وتكتب المؤلفة:

"تلك التي انتصبت أمامي مثل غريب بدا لي أنني أعرفه، مثّلت الحب". وتشير إلى أن تلك الأم التي اكتشفتها من جديد، كتبت لها ذات يوم ما يريد كل إنسان أن يقال له، كان ذلك صحيحاً أو خاطئ. وتقول: "كنتِ دائماً موضع اهتمام من قبل الآخرين". ويعد الكتاب، بمثابة سيرة ذاتية، تسترشد مؤلفتها في كتابتها بالبحث عن السعادة. ومن ما تقوله فيه:

"الحياة مؤلّفة من طبقات، إنها إنسيابية ومتحرّكة ومجزأة".

ما تؤكّد عليه المؤلفة، أن البحث عن الحريّة ليس أمراً سهل المنال، وأنها عرفت هي نفسها حالات من الانهيار العصبي في سن الأربعين. ولكنها تؤكّد بالقوّة نفسها أن محصلة تجربتهــا كانت إيجابية. وأنها بنت حياتها كامرأة وحياتهـــا ككاتبـــة ولكن باستمرار، دون شكوى أو تباك. فالحياة تتطلب مواقف صامدة، وبذلك أرادت المؤلفة أن تكون سيرة حياتها و"العبــــور الطويل نحو الوصول المنشود"، بمثابــــة رسالـــــة لبث التفـــاؤل والصلابة.

وما يمكن تأكيده هو أن هذه السيرة الذاتية تبدو كصدى، أو ربما بدقة أكبر، كإعادة كتابة، للرواية الأولى التي صدرت للمؤلفة، قبل ثلاثة عقود: "البرتقال ليس الثمرة الوحيدة".

 

التعايش الصعب

 

تحكي المؤلفة عن الصعوبات الكثيرة التي واجهتها في حياتها، مع تلك المرأة التي اختارت أن تكون أمّاً لها. ومن ذكرياتها البعيدة تستخرج وقائع كثيرة، مثل: تلك التي عاشتها ذات مرّة، عندما فاجأتها وهي تقرأ بأحد الكتب التي كانت طالما تعوّدت كيف تخبئها في الفراش، إذ لم تتردد في حرق جميع الكتب التي كانت تشكّل في واقع الأمر، مكتبتها السريّة. وترى المؤلفة أنه من الطبيعي، في مثل هذه الحالة أن لا يكون المرء طبيعياً، وأن يتخلّى عن أن يكون سعيداً، لأنه لا يستطيع التخلّي عن واقع أنه جاء إلى الحياة.

 

المؤلفة في سطور

 

جانيت وينترسون، من مواليد لندن عام 1959. عرفت شهرة كبيرة منذ صدور روايتها الأولى: "البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة". نالت العديد من الجوائز. ولديها مساهمات في مجال الدراسات. وهي أحد الوجوه المعروفة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة.

 

الكتاب: لماذا نكون سعداء عندما نستطيع أن نكون طبيعيين؟

تأليف: جانيت وينترسون

الناشر: غروف برس- لندن - 2012

الصفحات: 230 صفحة

القطع: المتوسط

 

Why be happy when you could be normal

Jeanette Winterson

Grove press - London- 2012

230 .p