نقرأ في تقديم كتاب "بماذا يفكرون؟"، لمؤلفه اندريه غيغو: "إن فكراً يلعب دوره بشكل جيد هو فكر يلقي الضوء على الشواطئ، ليس من أجل تأمل العواصف، ولكن من أجل مساعدة السفن على الخروج منها. المتشككون يضحكون أمام حوادث الغرق والمتخصصون يحاولون قياس ارتفاع المنارات. أما المفكرون الحقيقيون (...) فإنهم يحملون المصابيح بأيديهم".
وفي هذا الكتاب يقترح المؤلف، على طريقته، تقديم نوع من القراءة السريعة للأفكار الفلسفية المعاصرة، الفرنسية وكذا العالمية، عبر محاولة الإجابة عن السؤال: ماذا يحدث اليوم في عالم الفكر؟ ويشير أولاً، في معرض الإجابة عن فكرة تتكرر اليوم كثيراً، مفادها أن فترة المفاهيم الكبرى للعالم وعن العالم، اكتملت: مرة واحدة وإلى الأبد. وهذا ما يعلن المؤلف مباشرة، عدم موافقته عليه، ويشرع في تقديم نوع من أنماط نماذج- الفكر المعاصر الجديد والمتجدد.
وكما يقال، إن الفلسفة مرتبطة بـ"السؤال" يطرح المؤلف أسئلة من نوع: كيف يفهم المفكرون اليوم العالم والسياسة والأمن؟ وعن ماذا يتساءلون؟ وما هو الواقع؟ والحياة؟ وعبر محاولة الإجابة عن هذا كله، يدافع عن فكرة مؤداها، أنه ليس من المستحيل اليوم، أن يصبح البشر أفضل. وذلك شريطة إعادة الصلة مع نموذج للحكمة يصالح الإنسان والطبيعة، وكذا بين البعد الروحاني والتقدم العقلاني وبين الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية. وعن هذه الأمور كلها وسبل الاستفادة منها، يقدّم اندريه غيغو نصوصاً لعدد من المفكرين والفلاسفة المعاصرين، من أمثال ميشيل اونفراي واليزابيت بادنتر، ودافيد ارمسترونغ وادغار موران وآلان باديو.
وفي الصفحات الأولى من الكتاب، يؤكد المؤلف فكرة يعدها جوهرية جداً، عند البحث في مسألة مثل "بماذا يفكرون؟". وهذا ما يحدده بالربط بين الفكر والحرية. على أساس أن الجمع بين هاتين الركيزتين يسمح للإنسان بالتقدّم، هذا إلى جانب الإشارة، إلى أن التقدّم يعتمد على فهم واقعة ما، أو حدث ما: دائم أو عابر. وينقل عن جان بول سارتر قوله: "الحكم على واقعة يكون على أساس ما هو قائم، أما حكم القيمة فإنه يكون على أساس ما ينبغي أن يكون".
وبهذا المعنى يرى أنه من الممكن إصلاح المنظومة الرأسمالية، اقتصادياً وسياسياً، وعدم التوقف عند المقولة السائدة التي تؤكد أنه لا يمكن تجاوز المنظومة القائمة. وبمنطق التحول باتجاه التقدم، نفسه، يواجه المؤلف مقولات كثيرة في هذا الشأن، ومنها: نهاية التاريخ التي بشّر بها المفكر الأميركي- ذو الأصل الياباني- فرنسيس فوكوياما. ويؤكد المؤلف أن الإرادة والحلم، اعتماداً على معطيات الواقع، وعلى تحليل ملموس قائم على دراسات مسبقة، يمثلان سبيل الوصول إلى الفكر المفيد والانتقال من "قدرة الحلم" إلى "قدرة الفعل والعمل".
ومن الأفكار التي تتكرر في هذا الكتاب، بأشكال مختلفة، التشديد على أن الانفتاح على العالم وعلى التفكير الحر والخصب، يمكن أن يساعدا على الرؤية أفضل، وعلى التبصّر بالعالم المحيط بنا. وهذا ما يجده المؤلف لدى المفكرين الذين يصنفهم في خانة "دعاة الأخلاق الجدد". أو لدى المفكرين القادمين من مشارب أخرى أو "الراديكاليون الأحرار" أو "مهندسو الأفكار الكبار" أو "علماء الاجتماع الجدد". وهذه هي بعض عناوين هذا الكتاب، ليؤكد المؤلف في خاتمته: "لكل إنسان طريقه، كما يقول عنوانها".
المهم هو المضمون
يوجّه المؤلف حديثه إلى قارئه، كي يمارس تعامله مع مضمون عمله، باعتباره "رحلة داخلية"، ذلك مع وجود "مقاطع صعبة" و"مقاطع أكثر سهولة". ويشدد على ضرورة التسلح بالحس النقدي حيال مفاهيم يتم تداولها بسرعة، دون التدقيق في مضمونها العميق، مثل: الحداثة، الحضارة. لذلك حرص على تقديمها من وجهات نظر مختلفة وعبر ما كتبه عنها مفكرون ينتمون إلى مشارب مختلفة.
المؤلف في سطور
يحمل اندريه غيغو، شهادة الدكتوراه في الفلسفة. ويعمل أستاذاً في جامعة "نانت" الفرنسية. وهو متخصص في أعمال الفيلسوف جان بول سارتر وفكره. ومن مؤلفاته: "الفلسفة الصغيرة لعاطفة الحب".
الكتاب: بماذا يفكرون؟ جرد ذاتي لكبار المفكرين المعاصرين
تأليف: اندريه غيغو
الناشر: بايار - باريس- 2012
الصفحات: 396 صفحة
القطع: المتوسط
Qui pense quoi
André Guigot
Bayard - Paris- 2012
396.p
