عندما ذهبت الصحافية البريطانية راشيل بولونسكي إلى موسكو، قطنت في شقة في شارع رومانوف، أي باسم سلالة القياصرة الروس السابقين. واكتشفت أن الشقة في الطابق الأعلى، لم تكن مثل غيرها، إذ كانت سابقا، مكان التقاء أفراد النخبة السوفييتية.

واكتشفت عبر ذلك، أن أحد جيرانها السابقين لم يك سوى فياتشسلاف مولوتوف، أحد رجال جوزيف ستالين المقربين، بل وذراعه الضاربة، كما تصفه الصحافية البريطانية راشيل بولونسكي، في كتابها: "مصباح مولوتوف السحري".

وتؤكد المؤلفة، مساهمة مولوتوف الفعالة، في التصفيات التي قام بها ستالين، ضد خصومه. وذلك في الوقت الذي شغل فيه منصب رئيس الوزراء في الاتحاد السوفييتي، خلال السنوات: من 1930 إلى 1941. واحتفظ بمنصب وزير الخارجية، حتى عام 1947. وكان لعقود عديدة، استمرت من العام 1926 وحتى 1957، منضوياً في عضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي. وبذا كان أحد رجال الحزب النافذين، حتى تم عزله في سباق التخلص من الإرث الستاليتي.

ما تقوم به المؤلفة، نوع من الارتحال، عبر مكتبة مولوتوف، في تاريخ الثقافة الروسية، حيث يصادف القارئ، رموزا كانت لها تطلعاتها وآمالها في بلاد عرفت الكثير من الخراب والدمار والحروب والمجاعات والاستبداد. وتشير المؤلفة إلى أنها زارت شقة مولوتوف، التي لا تزال تملكها حفيدته ويسكنها أحد المصرفيين. وأثار إعجابها المصباح السحري. وعلى ضوء ذلك المصباح، تبدأ راشيل بولونسكي رحلتها، عبر التاريخ الحديث لروسيا، ابتداء من بعض المواقع المهمة في الحقبة الستالينية.

وتعرج المؤلفة في هذا السياق، على استعراض القصص المأساوية والبطولية، التي خاضها كتاب وعلماء، دفعوا ثمن قناعاتهم، بالمنفى. ولقي الأقل حظاً منهم، الموت على يد مولوتوف. ومن خلال زيارة الأمكنة والتنقل بينها، يتم توصيف الأمكنة التي عاش فيها كتاب مشاهير. ذلك مثل المنزل الفخم الداتشا ــ الذي عاش فيه دوستويفسكي. وتذهب المؤلفة بقارئها إلى سيبيريا لـ"إمضاء بعض الوقت" مع المنفيين والسجناء.

وترى المؤلفة في "مصباح مولوتوف السحري" وسيلة بارعة ورائعة، يلقي الماضي من خلاله، الكثير من الأضواء على الحاضر. كما تبيّن بالوقت ذاته، كيفية قيام علاقة مستمرة في روسيا، بين السلطة السياسية والأدب. وهو ما كان له آثاره العميقة على التاريخ الروسي، كما على صورة المجتمع الروسي. حاليا، ومن خلال الأماكن والأشخاص والأدب، تكتب المؤلفة نوعا من التاريخ الروسي منذ الشاعر بوشكين، وحتى الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين. هذا دون نسيان أحد المظاهر الأساسية التي تقدمها المؤلفة، أي ما يتعلق بالحياة اليومية للروس.

"المصباح السحري" لمولوتوف هو أحد قطع الأثاث التي حافظ عليها ورثته حتى اليوم. ذلك بالإضافة إلى مكتبته. وكان ذلك المسؤول السوفييتي الكبير، قد غيّر اسمه من سكريابين إلى الاسم العمالي البروليتاري- مولوتوف، والمشتق من كلمة تعني "مطرقة" باللغة الروسية. لكن هذا الكتاب ليس بالتأكيد عن مولوتوف، ولكن بالأحرى عن روسيا. هذا ما يشير إليه بوضوح العنوان الفرعي الذي مفاده: "رحلة في التاريخ الروسي".

إن المؤلفة تقوم بـ"زيارة" العديد من الأمكنة في روسيا انطلاقا من "شقة مولوتوف" باتجاه خارجها في مدينة موسكو ثم خارج المدينة باتجاه أريافها ثم إلى المدن والأمكنة البعيدة. وهي لا تتردد في وصف موسكو أنها "قلب روسيا". وما تقدمه المؤلفة هو بمثابة صورة على عدة مستويات فيها ماضي روسيا وحاضرها، ومدنها وأريافها، وكذلك تقدّم روسيا الحقيقية، روسيا الواقعية، وروسيا الثقافية. وهذا كله من العاصمة موسكو حتى سهوب آسيا الوسطى وإلى سيبيريا.

وكتاب "مصباح مولوتوف السحري" يبدو بصورة ما، مزيجا من المذكرات الشخصية وأدب الرحلات والآراء الثقافية والتاريخ الفكري. وعبر هذا كله، تجري محاولة تقريب روسيا إلى القراء، باعتبارها مثل غيرها من البلدان.

ذلك أن هذا البلد الواسع الشاسع، لا يزال غريبا من أوجه عديدة، على الآخرين، رغم أن هناك قدرا كبيرا من الحرية في التوجه إليها، على عكس ما كان الأمر في ظل النظام الشيوعي الذي ساد فيها لمدة سبعة عقود من الزمن.

كان مولوتوف قد أمضى القسم الأكبر من حياته، خاصة بعد بلوغه وحتى وفاته عام 1986، في موسكو. وتحديدا في تلك الشقة، ذات الرفاهية الرأسمالية، والتي كانت تلتقي فيها النخبة السوفييتية، وتتنعّم بمنجزات رأس المال، بينما كانت الطبقة العاملة البروليتاريا- تناضل في الشارع عند أسفل البناية.

كان تشرشل قد وصف مولوتوف، بأنه رجل بارد الأعصاب ولا رحمة في قلبه، كما تنقل المؤلفة عنه. ولكنه كان بالوقت نفسه محباً للأدب.

 

المؤلفة في سطور

 

راشيل بولونسكي، صحافية بريطانية، وأستاذة جامعية. متخصصة في شعر وأدب القرنين التاسع عشر والعشرين، وفي الأدب الروسي المقارن. تكتب في العديد من الدوريات، منها: "المجلة الأدبية" ـ ليتيراري ريفيو ـ البريطانية، ملحق التايمز الأدبي.

 

الكتاب: مصباح مولوتوف السحري

تأليف: راشيل بولونسكي

الناشر: فارار وستروس وجيرو- لندن - 2012

الصفحات: 416 صفحة

القطع : المتوسط

 

Molotovصs magic lantern

Rachel Polonsky

Farrar, Strauss and Giroux- London - 2011

416 .p