يذهب كتاب «الأرجوزة العربية .. النشأة والمفهوم»، لمؤلفه المهدي لعرج إلى أن الرجز العربي القديم، يعد من أبرز مظاهر الشعرية العربية، باعتباره من الأصول الأساسية لإبداعنا الشعري. فالرجز نمط من أنماط الشعر العربي القديم، ولكن ضاعت معظم نصوصه لأسباب مختلفة، وما وصلنا منه لا يوازي قيمته وأهميته التي تحدث القدماء عنها.

ويوضح المهدي لعرج، أن الرجز في بداية أمره كان عبارة عن مقطوعات بسيطة تجري على ألسنة الناس للتعبير عن مختلف الموضوعات والأغراض، مثل: الحُداء، الحرب، ترقيص الأطفال، التلبية في مواسم الحج. ومن ثم ترقى بعدها، شيئاً فشيئاً، متجاوزاً مرحلة المقطعات إلى مرحلة الأرجوزة، وذلك في أواخر العصر الجاهلي، إذ اتضحت معالمه أكثر، خلال فترة البعثة النبوي.

وأما أهم من اعتنى بالرجز قديماً، فهناك: الأصمعي، ابن الاعرابي، الجاحظ، ابن رشيق، المعري، وغيرهم. وجاء هذا الاعتناء، إما عن طريق التدوين او الشرح أو البلاغة أو البيان أو التراجم، حيث تجاوز بعضهم حدود الاهتمام، وصولاً إلى محاولة تكوين نظرية نقدية عنه.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المؤلف يرى أن القدماء لم يفردوا للأرجوزة مكانة خاصة، باعتبارها بنية دلالية كلية، إذ بقي تمييزهم لها عن القصيدة، باهتاً. ولم يتحول إلى سؤال عن «الهوية الأجناسية للأرجوزة». ولم ينس لعرج، هنا، الاشارة الى انه هنالك من نظر للرجاز باعتبارهم يشكلون طبقة متميزة متجانسة، مع اعترافه بأن الأمر لم يتجاوز هذه الحدود في الحديث عن آفاق أبنية الأرجوزة وجماليتها.

ويفرد المؤلف فصلاً كاملاً من كتابه، للتمييز بين الرجز من جهة، وسجع الكهان من جهة ثانية. ليجد أن الرجز تطور من السجع، وذلك عندما أدخل عدد من الشعراء، الوزن على الجمل المسجوعة. ولعل هذا ما حدا بالنقاد للتأكيد على أن الرجز هو ولد للوزن البكر: أبوه السجع وأمه الغناء.

وفي تحديده أوجه الشبه والاختلاف بين الرجز والشعر، يجد لعرج أن مسألة الرجز، فن، قبل أن تكون مسألة بحر، وإن كان كثير من القدماء يجعل الرجز نوعا من أنواع الشعر، وفناً من فنونه، وليس مجرد وزناً، وإن كانت هناك فروق بينهما في الغرض والوزن والاستعمال. فما يميز الرجز عن القصيد، هو الإسراع والخفة في الانشاء. ولا ينسى المؤلف، في هذه النقطة، التأكيد على أن الرجز بقي في مرتبة أقل من الشعر.

ويتجول لعرج، عقبها، لدراسة ومناقشة مجموعة نماذج من الأرجوازات العربية المشهورة، ليجد أن كل أرجوزة تشكل سلسلة مترابطة ومتسقة من الاحداث المثيرة، وكأنها مقاطع أو متتاليات حكائية في عمل قصصي، يتقاطع فيه أسلوب الوصف مع نظيره في الرد، ما يضفي عليها مزيداً من الحركية والتشويق الذي يبلغ ذروته مع النهاية الدرامية للأرجوزة.

كما ان هناك نمطاً من الأرجوازات، ارتبط بمخاطبة النبي عندما بُعث، وذلك عند مجموعة من الشعراء، ومنهم عبدالله بن رواحة، النمر بن تولب، حميد بن ثور الهلالي.

ويسرد المؤلف، ايضا، مجموعة تفاصيل أخرى في هذا الصدد، مبينا انه يوجد عدد من الارجوازات التي ارتبطت بأحداث ووقائع مهمة في حياة المسلمين، ومنها: أرجوزة عمرو بن سالم الخزاعي في فتح مكة، أرجوزة المجذر بن زياد في يوم بدر.

وهذا، ناهيك عن أرجوزات المدح والفخر والرثاء. كما يفرد لعرج، فصلاً كاملاً من كتابه، للحديث عن البيت في الأرجوزة، موضحاً أن بيت الأرجوزة يختلف عن البيت العادي في القصيدة بقصره، كما أنه ليس شيئاً ثابتاً، بل يتغير حسب عدد أجزائه والتغييرات الطارئة على جزئه الأخير خاصة.

فبيت الرجز أنواع، فقد يكون: ثلاثياً أو ثنائياً أو مزدوجاً.

وينتهي مؤلف الكتاب، المهدي لعرج، في أبحاثه، إلى التأكيد على أن معظم الدراسات الرجزية - القديمة منها والحديثة - يطغى عليها الاهتمام بالرجز على حساب الأرجوزة، ويرجع هذا الأمر لكون الدراسين يركزون في الرجز أكثر من ما يركزون على ما يتعلق به من العروض وقضاياه ونواحيه الفنية.

 ولذلك نجده يشدد على ضرورة التمييز بين الرجز والأرجوزة، من حيث ان الرجز يميل إلى نمط شعري أو نوع منه، في حين تميل الأرجوزة إلى النصوص الإبداعية المحددة التي أبدعها رجاز بعينهم.

 

مقارنات وتفاصيل

 

يضيي ء الكتاب على جوانب واسعة ومتشعبة، في خصوص موضوع التفريق بين الرجز والارجوزة والقصيدة، في الشعر العربي، مقدماً مجموعة تحليلات نقدية، تقارن وتقرأ في أصولها ونشأتها، وتفككك بنيتها، مميزة مقوماتها وصفاتها.

 

المؤلف في سطور

 

الدكتور المهدي لعرج، باحث وقاص وناقد مغربي، لديه مجموعة من الدراسات والمؤلفات الادبية والفكرية المتنوعة.

الكتاب: الأرجوزة العربية.. النشأة والمفهوم

المؤلف: المهدي لعرج

الناشر: النايا للدراسات والنشر والتوزيع- دمشق 2011

الصفحات: 136 صفحة

القطع: المتوسط