يتردد كثيراً قول مفاده أن الصحافة المكتوبة بصدد فقدان مكانتها الكبيرة التي دعت البعض إلى إطلاق ألقاب عليها وصولاً إلى نعتها بـ"صاحبة الجلالة". وما يتفق عليه الجميع هو أنها تواجه منافسة حقيقية من قبل الصحافة الإلكترونية في عصر الانترنت. إن عدداً من الأساتذة الجامعيين والباحثين الفرنسيين يقدمون كتاباً تحت عنوان: "حضارة الجريدة"، وهم يكرسونه لـ"التاريخ الثقافي والأدبي للصحافة الفرنسية خلال القرن التاسع عشر".

ولا يتردد المساهمون في هذا الكتاب بالقول ان الجريدة غيّرت إلى حد كبير، الحياة الثقافية الفرنسية، في مختلف مشاربها ونشاطاتها. ذلك عبر نمط إنتاجها الذي غدا "صناعيا" أكثر فأكثر مستفيدا من التكنولوجيات المتطوّرة التي كانت بمثابة ثمرات مباشرة للثورة الصناعية الكبرى. وكذلك عبر تعاظم توزيعها وتوسيع دائرته. وفي محصلة ذلك كله استطاعت الصحافة "الجريدة" أن تفرض "إيقاعا جديدا" على الحياة الاجتماعية بمجملها.

يحدد المساهمون في هذا الكتاب القول ان الصحافة الفرنسية حققت في القرن التاسع عشر، "ثورتها" في سياق الثورة الصناعية الكبرى. وهذا ما يتم شرحه بالتفصيل على مدى أقسام الكتاب الأربعة وبما يزيد عن 1700 صفحة. القسم الأول يحمّل عنوان "ممارسة الصحافة في القرن التاسع عشر"، حيث تتم أولًا دراسة العلاقة بين "القارئين" و"القراءة" عبر التركيز على استخدامات الصحافة في ذلك القرن وقوانينها والمسائل المتعلقة بالرقابة والحريات الصحفية والتحولات التكنولوجية.

ويحمل القسم الثاني عنوان: "حركة الصحافة في القرن التاسع عشر" حيث تمثل مسألة "الصدور الدوري" المحور الرئيسي في هذا القسم. ويتم التعرّض في القسم الثالث لـ"الكتابة الصحافية في القرن التاسع عشر" وحيث غدت الصحافة "مهنة" حقيقية لها قواعدها وتقاليدها و"نمط" الكتابة فيها حسب ايقاع صدورها اليومي أو الأسبوعي أو ربما الشهري.

والقسم الرابع والأخير من الكتاب مكرّس لـ"ثقافة الصحافة في القرن التاسع عشر" ويتم التعرّض فيه لـ"آلية التعامل مع الأحداث" ومكانة "الرأي العام" والتطرّق لموضوعات تتعلق بـ"الهوية الوطنية" و"التيارات السياسية" .تجدر الإشارة أن 60 باحثاً ومؤرخاً وأستاذاً جامعياً وأخصائياً في مجال الإعلام يساهمون في هذا الكتاب. ويؤكد الجميع أن السمة الأساسية للفترة المدروسة تكمن في أنه لم يكن للصحافة أي منافس في الحقل الإعلامي.

وبهذا المعنى شكّل القرن التاسع عشر ممرا سريعا وشاملا" كانت فيه الكتابة هي سيدة الأدوات، فيما يتعلّق بصناعة الرأي العام. وكان ذلك بالوقت نفسه، مدخلا إلى عصر الإعلام، كما يتردد في عدد من المساهمات. ذلك بمعنى أن الصحافة كانت قد بدأت في ممارسة تأثير حقيقي على "مسار" مجتمعاتها.

كما أصبحت لها مساهماتها في "صياغة أنماط التفكير" وبالتالي على السياسات العامة.إن أكثر من ساهم في هذا الكتاب يتوقف عند "قانون حرية الصحافة" الذي صدر في فرنسا عام 1881، فذلك القانون وسّع كثيرا من انتشار الصحافة المكتوبة وظهور العديد من المطبوعات الجديدة. وإذا كان مكان المرأة ظل محدودا في الصحافة آنذاك، فإنه تتم الإشارة إلى صحيفة "لافوند" التي أطلقتها وزيرة الشؤون النسائية عام 1897 "مرغريت دوراند".

وكان الفريق العامل في تلك الصحيفة كله من النساء، ذلك على صعيد التحرير أو الإنتاج بكل مراحله. وقد استمر صدور تلك الصحيفة حتى عام 1905. ويحتوي هذا الكتاب على عدد من الصفحات المكرّسة لما تطلق عليه تسمية "المنتجات المشتقّة" من الصحافة.

والتي شاعت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. الأمثلة المضروبة على ذلك تكمن في "الكتيّبات" و"البطاقات البريدية" و"المنشورات"، الخ. هذا بالإضافة إلى إطلاق "الروايات على حلقات" والتي كان يتم "توزيعها" عبر المناداة في الأسواق من قبل الباعة المتجولين. كان "الورق" حاضرا بقوة إذن كوسيلة "دعاية" كبرى.

 

 

 

الكتاب: حضارة الجريدة

تاريخ ثقافي وأدبي للصحافة الفرنسية في القرن التاسع عشر

تأليف: دومينيك كاليفا

فيليب رينييه وآخرون

الناشر: نوفو موند باريس 2011

الصفحات: 1762 صفحة

القطع: الصغير

 

 

 

 

La civilisation du Journal

Dominique Kalifa, Philippe Regnier etة

Nouveau Monde - Paris- 2011

1762.P