كان المستشرق الفرنسي المعروف جاك بيرك، المتوفى عام 1995، قد كرّس جل أعماله لشرح فكرة أساسية مفادها أن فرنسا «قريبة جداً مع العرب». والمفكر المستشرق الفرنسي الذي خلفه في العمل بنفس المنحى هو هنري لورنس الذي يحتل مقعد تاريخ العالم العربي المعاصر والأخصائي بمسائل الشرقين الأدنى والأوسط، وهو يكرّس كتابه الأخير للعلاقات بين العرب والفرنسيين خلال القرنين الأخيرين. وهذا تحت عنوان: «فرنسيون وعرب منذ قرنين».
ما يؤكده المؤلف هو أن العلاقات بين فرنسا والضفة الأخرى من البحر المتوسط، توطّدت بشكل خاص، انطلاقاً من حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798. ويشرح أن مشاعر الضغينة والكره التي خلقتها النزعة الاستعمارية الأوروبية عامة لم تؤد إلى نهاية العلاقات «الفرنسية- العربية» والتي استمرت بصيغة "مبهمة" تحت الاستعمار وبعد نهايته.
وفي مجمل فصول هذا الكتاب يقدم هنري لورنس توصيفا لما يسميه «الروابط الخاصة» بين فرنسا والعالم العربي.تتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين رئيسيين يحمل الأول عنوان «المسائل الفرنسية - العربية»، حيث يتعرض المؤلف للثورة الفرنسية ولأفكار نابليون وآثارها في العالم العربي.
ويحمل القسم الثاني عنوان: «العلاقات بين فرنسا والامبراطوريات الاستعمارية»، حيث يتعرّض المؤلف لما يسميه «الميثاق الاستعماري» و"لعوامل الاختلاف وأشكال التبدّل التي شهدها الثلث الأخير من القرن الثامن عشر".
ويحدد المؤلف القول ان حملة نابليون على مصر عام 1798، خلقت علاقات معقّدة بين فرنسا والعالم العربي، على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين. بل ويرى أن تلك الحملة كانت سبب قيام مناخ تنازعي. ويعود هنري لورنس إلى الجذور التاريخية للعلاقات بين فرنسا والعالم العربي.
ذلك مع التوقف عند بعض المنعطفات الأساسية من ما يسمى بـ«الإمبراطورية الثانية» في فرنسا ثم «الجمهورية الثالثة»، ووصولا إلى انبثاق العالم العربي، ونهاية الحقبة الاستعمارية وأخيراً يتعرّض لما يسميه بـالسياسة العربية لفرنسا، في ظل الجمهورية الخامسة». أي تلك التي أرسى أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958، ولا تزال مستمرة حتى اليوم.
وينتهي المؤلف في حصيلة شرحه للمحصلة التاريخية للعلاقات الفرنسية- العربية إلى القول بوجود «حصة فرنسية في الهوية العربية وحصة عربية في الهوية الفرنسية». ومن الأفكار التي يؤكد عليها المؤلف قوله إن الاتصالات الأولى بين الفرنسيين والعرب خلال العصور الوسطى "لم تكن سيئة" بالدرجة التي تتردد أحيانا على لسان العديد من المؤرخين، وكما يسود الاعتقاد غالبا.
وكذلك لم تكن سيئة بالدرجة التي تقال خلال الحقبة الاستعمارية. هذا ما يشرحه المؤلف في القسم الثاني من الكتاب المكرّس للعلاقات الفرنسية - العربية من خلال "السياسة الاستعمارية" لفرنسا. ويبيّن المؤلف بالوقت نفسه الكثير من «التناقضات» التي ولّدتها «العلاقات المشوّشة» والمعقّدة بالتعريف بين «النظام الاستعماري» و«ضحايا الاستعمار».
بكل الحالات نظر هؤلاء «الضحايا» إلى القوة الاستعمارية على أنها مثّلت مشروع نقل النموذج «الحضاري» الاستعماري إلى البلدان التي أرادت فرنسا ضمّها إلى إمبراطوريتها. وينتهي المؤلف إلى القول إن بعض عناصر النظام الاستعماري استمرت بالوجود، إلى هذه الدرجة أو تلك، في البلدان التي نالت استقلالها.
من النقاط التي يؤكد عليها هنري لورنس بأشكال مختلفة في تحليلات هذا الكتاب هي أن أشكال التطرف «المتسارعة» على جانبي البحر الأبيض المتوسط "نجحت" إلى حد كبير في طمس طبيعة «المفهوم الشعبي» للروابط بين الشرق والغرب عامة. بل ويرى أنها أدت إلى تعزيز رؤية للماضي تقوم على وجود مواجهة مستمرّة بين المنطقتين المعنيتين. مثل هذه الرؤية لم يكن منها سوى أن تؤدي إلى زيادة مشاعر «الرفض المتبادل» و«نفي الآخر».
ويؤكد المؤلف ضرورة العودة إلى «جذور» العلاقات الفرنسية - العربية خاصة والغربية - العربية عامة. ويقصد "الجذور التاريخية". والتأكيد اعتمادا على ذلك أن "المواجهة" لم تكون سوى أحد مظاهر هذه العلاقات بين مظاهر أخرى.
ثم التأكيد أيضا أنه "رغم الأخطاء من قبل الطرفين، فإن الروابط بينهما كانت دائما مفيدة. ويصل إلى حد القول: "إن تاريخ فرنسا منذ الثورة الفرنسية الكبرى غدا ليس مفهوما إذا لم يؤخذ في الحسبان بعده العربي". يتم التأكيد هنا على أهمية التبادل الثقافي بين ضفتي البحر المتوسط.
ويشرح على مدى صفحات الكتاب أيضا أن تطوير العلاقات الفرنسية- العربية عرف عدة مراحل وتحولات سياسية واقتصادية وثقافية وفلسفية عرفتها المجتمعات العربية والمجتمع الفرنسي أيضا. ويحاول هنري لورنس تقديم العديد من «المفاتيح» للقارئ من أجل فهم كل مرحلة من مراحل التطور على الجانبين.
هكذا يتم استعراض العديد من الأحداث التاريخية التي كان لها دورها في تطور العلاقات الفرنسية- العربية منذ عهد نابليون بونابرت وحتى رئاسة نيكولا ساركوزي.
على الجانب الفرنسي، يركز المؤلف على القول أن سياسة الاستعمار أو السيطرة خلال القرنين المنصرمين قامت أصلا على «إرادة القوة» التي اتخذت غطاء «المهمة التحضيرية».
في المحصلة يرى المؤلف أن العلاقات مع العالم العربي كانت إحدى وسائل محافظة فرنسا على موقعها كقوة كبرى. بالمقابل «تغذت الحداثة العربية من المنابع الفرنسية عبر التبنّي وتكييف الأفكار».
الكتاب: فرنسيون وعرب منذ قرنين
تأليف: هنري لورنس
الناشر: تالاندييه باريس- 2012
الصفحات: 128 صفحة
القطع : الصغير
Français et Arabes depuis deux siècles
Henry Laurens
Tallander- Paris- 2012
128.P
