هناك نقطة بارزة في التاريخ الاسباني الحديث، وهي الحرب الأهلية التي عاشتها البلاد. وفي مناسبة مرور 60 عاما على تلك الحرب، أراد الصحافي ادوار وينتروب، أن يقوم بسلسلة من التحقيقات لجريدة "ليبيراسيون" الفرنسية، التي كان يعمل فيها، إذ يبرز الآثار العميقة التي تركتها حتى اليوم، لدى الاخوة الذين سفكوا الكثير من الدماء، وكانوا هم أنفسهم أصحابها والخاسر الأكبر فيها.

وما أدركه ادوار وينتروب، هو أنه لا يعرف شيئا عن تلك الحرب الأهلية القاتلة، وأن مواقفه حيالها كانت تعتمد إلى حد كبير، على أفكار معاداة الفاشيين المدعومين من معسكر اليمين ومن هتلر وموسوليني، ومناصرة الجمهوريين الذين رفعوا الأعلام الحمراء، وعلى خلفية مثل ذلك الجهل، قرر أن يعمّق بحثه في أصول العنف الثوري في اسبانيا. وكانت ثمرة ذلك، هذا الكتاب الذي يحمل عنوان: "الفوضويون الاسبان 1868-1981".

إن المؤلف يعود بقارئه إلى نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، ليشير إلى أن جميع البلدان الأوروبية، بل ومناطق أخرى في العالم مثل الارجنتين والولايات المتحدة الأميركية، عرفت كلها حركات اجتماعية تحت عنوان عريض هو المطالبة بالحرية. وهو يقوم برصد مثل هذه الحركات.

والتي أطلقت على الذين كانوا وراءها وعمادها الرئيسي صفة "الفوضويين". ويغطي بالدراسة، الفترة الواقعة منذ عام 1860، في برشلونة وحتى مطلع عقد الثمانينات في القرن الماضي. ويولي بالطبع، أهمية خاصة لفترة الحرب الأهلية الاسبانية التي انتهت عام 1939.

ويروي ادوار وينتروب، الكثير عن مصير أولئك المناضلين الذي وصلت شهرتهم إلى آفاق واسعة، وأحيانا عالمية، وأيضا مصير العديد من أولئك الذين لم يسمع بهم، سوى القلة القليلة من البشر، وكذلك مصير من يصنفهم في خانة واضعي القنابل. وفئات أخرى مثل: القادة والنقابيين، القادة العسكريين. وهذا دون نسيان فئة المثقفين.

هؤلاء جميعا خاضوا معركتهم في صف واحد عمليا، وإذا كانوا قد بدؤوا نشاطاتهم باسم الإيديولوجية الفوضوية، فإن ثمرة أعمالهم وجدت ترجمتها في أتون الحرب الأهلية. حيث وجدوا أنفسهم، هم أيضا، بين المطالب الثورية، والآلة الدكتاتورية الشمولية، التي كانت تعمل تحت إمرة الجنرال فرانكو. عرفت اسبانيا.

كما يشرح المؤلف، سلسلة طويلة من العنف، كانت الأطول بين البلدان الأوروبية، خلال التاريخ الحديث، وهذا مع أن تلك البلاد عرفت استثناء كبيرا، من حيث انها لم تشارك في الحرب العالمية الأولى، أو الحرب الكبرى، كما شاعت تسميتها، وكانت بمثابة مجزرة حقيقية. إذ بقيت اسبانيا خلالها، على الحياد، وذلك مثل ما فعلت البرتغال في الحرب العالمية الثانية.

وكان من نتيجة ذلك الحياد، أن توافد الآلاف من العمال إلى اسبانيا، من مختلف البلدان الأوروبية خاصة، بينما كانت أغلبية أولئك الذين بقوا في بلدانهم، قد انخرطوا في الجيوش كمقاتلين. والعمال الاسبان ظلّوا من جهتهم يعملون في مصانع متوسطة الحجم، وفي ورشات تعمل حسب الآليات القديمة.

ولكنهم استطاعوا أن يحققوا ازدهارا حقيقيا لبلادهم. كما ظلوا متمسكين بأفكارهم المتعلقة بالاستقلال الذاتي والتعاون، بعيدا عن هموم البحث عن السلطة، على عكس نظرائهم من العمال الأوروبيين الذين شاركوا كـمحاربين وأصبحوا يريدون "حصتهم" منها.

ويحدد المؤلف القول إن اسبانيا كانت البلد الأوروبي الوحيد الذي يعرف حركة فوضوية قوية، في مطلع سنوات العشرينات وسنوات الثلاثينات من القرن الماضي، العشرين. وكانت نقابة العمال الاسبان، أكثر قوة آنذاك، من الحزب الشيوعي الاسباني.

ويذهب المؤلف إلى حد القول ان الفوضويين الاسبان، كانوا يمثلون القوة الوحيدة في إطار الحركة الفوضوية، من الذين يستطيعون القول انهم كانوا قادرين على لعب دور من قبيل ما كانوا يعتقدون أنه ثورة. وذلك خاصة من خلال وجودهم في صفوف النقابات العمالية.

ومن هنا بالتحديد، يتحدث المؤلف عن ما يسميه بـ"الفوضوية النقابية"، مشيرا إلى أن الذين هم من هذا التصنيف، كانوا يميلون إلى ممارسة "الفوضوية الجماعية"، بينما كان الفوضويون الأفراد يميلون الى ممارسة فوضوية فردية، ويذهبون بـفوضويتهم أحيانا، إلى حد القيام بعمليات قتل.

وأما الفوضويون المنضوون في إطار نقابات، فإنهم قاموا بعمليات منظمة، من إضرابات وغيرها، في معركة بقيت حتى النهاية ضد البورجوازية، ذلك على خلفية قناعتهم بأنها لن تتخلّى عن أي شيء، من دون قتال.

وفكرة أخرى يتم التركيز عليها في تحليلات الكتاب، وهي أنه كانت هناك معركة حامية باستمرار، داخل الحركة الفوضوية الاسبانية، خاصة بين أولئك الذين كانوا يعتقدون أن تأجيل المطالب قد يعني التخلّي عنها، وبين الآخريـــن الذين كانوا يميلون الى خوض المعارك على المدى الزمني الطويــل، مثل المطالبة بزيادة أجور العاملين، وعــدم الدخول في مواجهات سريعة "غير مضمونة النتائج. مثل هذا الانقسام كان يجد أصداءه في مختلف المؤتمرات الفوضوية، مثل ما يشرح ادوار وينتروب.

والكتاب لعله الأكثر اكتمــالا والأكثر توثيقا في اللغة الفرنسية، وهو يحكي عن الحـــركة الفوضويــــة الاسبانيـــة، التي يصفها المؤلف في الخاتمة، بأنها أسطورية وغير معروفة جيدا، في الوقت نفسه.

 

الكتاب: الفوضويون الاسبان 1868-1981

تأليف: ادوار وينتروب

الناشر: دونويل - باريس- 2012

الصفحات: 573 صفحة

القطع: المتوسطسط

 

Les anarchistes espagnols 1868-1981

Edouard Waintrop

Dednoel - Paris - 2012

573 .p