كانت الكاتبتان السياسيتان، روتانا ليسنيك وهيلين بلان، قد كرّستا الكثير من عملهما للبحث في المسائل المتعلقة بالمافيا السوفييتية، ثم المافيا الروسية، وكانتا قد تحدثتا عن محاولتي الانقلاب في روسيا عام 1991 ثم عام 1993، قبل وقوعهما بأشهر، وهما تقدمان اليوم معاً، كتاباً تحت عنوان «روسيا بلوو» ــ غير الحمراء ــ الذي تبحثان فيه، الأوضاع في روسيا الحالية، كما تحاولان الكشف عن ما تسميانه المفاتيح لفهم شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
تعتمد المؤلفتان في شرحهما على مجموعة من الشهادات التي تقدمها شخصيات روسية معروفة، وكذلك على التحقيقات التي قامت بها الصحافة الروسية، وعلى رأسها «نوفايا غازيتا». ويتم التأكيد على أن المواطنين الروس أصبحوا يرفعون صوتهم، رغم كل أشكال الدعاية والتضليل الإعلامي السائدة، ولا يترددون في توحيد النقد الشديد ضد اللامبالاة التي تبديها السلطة، حيال تطلعاتهم المشروعة.
الصورة التي يتم رسمها لروسيا اليوم، هي أنه، وبعد 20 سنة من تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، تبدو حصيلة سنوات بوتين الرئيس للمرة الأولى، ثم رئيس الوزراء، هي في غاية السلبية. ويجري التأكيد على أن الدولة في روسيا، لم تستطع البقاء والاستمرار، إلا بفضل عائدات البترول والغاز والمواد الأولية. كما يتم التأكيد على أن روسيا اليوم هي فريسة درجة عالية من الفساد، وأن النخب الروسية تحالفت مع أوساط الجريمة المنظمة.
وبالمقابل، يتم التأكيد على أن مقابل الفساد في مختلف أجهزة الدولة، وعلى مختلف الصعد، جرى تغيّر كبير في المجتمع الروسي. أهم ملامح هذا التغيير هو أن الروس أصبحوا يرفضون الاعتداءات المتكررة على حقوقهم، ويشتكون من الغياب الكامل لأية سلطة مضادة، بمعنى وجود أصوات تعبّر عن طموحاتهم ومطالبتهم في وجه الأجهزة الرسمية.
وكذلك تسود لدى الأغلبية الساحقة من الروس، فكرة مفادها أن الجهاز السري الروسي الحالي «اف. اس. بي»، يسيطر على النظام، حيث إنه يبدو في موقع «الوريث الصريح» للجهاز السابق الشهير «كي.جي.بي».
وما يتم تأكيده، أن أجهزة الاستخبارات الروسية هي صاحبة القرار الحقيقي في روسيا، منذ عام 1999، إذ إنها تمارس السلطة الحقيقية، عبر الرؤساء. وتشير المؤلفتان في هذا السياق، إلى أن روسيا حرصت في السنوات الأخيرة على تحديث جيشها، إذ ازدادت الميزانية العسكرية لعام 2012 بنسبة 57 بالمائة. ذلك بدلاً من التركيز على تحديث البنى الأساسية في البلاد.
وإذا كانت هناك أصوات كثيرة تعلن احتجاجها، فإن المؤلفتين تؤكدان على أن عدداً كبيراً من الروس، يدلون بأصواتهم لصالح فلاديمير بوتين على خلفية قناعتهم بأنه الأفضل. وهناك آخرون يدلون بأصواتهم لصالحه، لأنهم لا يعرفون غيره، خاصة في المناطق البعيدة المعزولة، وحيث التلفزيون أصلح أداة دعاية فعّالة يتم استغلالها من قبل الكرملين.
وتجري الإشارة في هذا السياق، إلى أن بوتين نفسه، حرص على ألا يكون فوزه بنسبة تقارب الـ50 بالمائة من الأصوات، فذلك يعني أنه لا يحظى بشعبية حقيقية، وفوزه بنسبة تزيد على 70 بالمائة، يعني أن هناك مبالغة بنجاحه، لذلك رأى أن نسبة 64 بالمائة (مناسبة). وهي مناسبة أيضاً، تبعاً لمعايير «الأخلاقية الدولية».
إن فلاديمير بوتين، كان الرجل القوي في روسيا، منذ عام 2000، وحتى اليوم، بصفته رئيساً أولاً، ثم رئيساً للوزراء. وعندما وصل إلى السلطة بمساعدة الأجهزة السرية الروسية، عرف كيف يحقق بعض الاستقرار النسبي في البلاد المهددة آنذاك، بالتفجّر، بسبب الفوضى التي كانت سائدة في نهاية فترة حكم بوريس يلتسين.
ولكن بالمقابل، سادت حالة الفساد وتعززت أكثر فأكثر، بمقدار ما تعززت ركائز السلطة في ظل رئاسة فلاديمير بوتين. وعلى الوتيرة نفسها، تعزز التحالف بين النخب ورجال العصابات. والنتيجة هي إشاعة حالة من الخوف العام.
ومن الأعراض التي تعدها مؤلفتا الكتاب في غاية الخطورة، بالنسبة للمجتمع الروسي، واقع أن بعض رجال القضاء وموظفي الضرائب وضباط الشرطة وعناصرها، تواطؤوا مع أولئك الذين يسهمون في نهب ممتلكات الدولة وممتلكات الأفراد. وبالتوازي، قامت البنوك بدور غسيل الأموال القذرة.
وهذه المنظومة تعمل في روسيا منذ 12 سنة، حسب مؤلفتي هذا الكتاب، وتقدمان الأدلّة والإحصاءات على ذلك. وتخلصان إلى القول إن هذه المنظومة، أرست أسسها إلى درجة أن احتمال رحيل بوتين عنها، لأي سبب كان، لن يضع نهاية لها.
إن الملايين من الروس يزدادون ثراء بفضل هذه المنظومة ذات البناء الهرمي، الذي يوجد فلاديمير بوتين على قمته. وآلية الثراء عينها، تؤمّن بالمقابل الولاء والإخلاص له. وأما الهدف الذي كان ميدفيديف قد حدده لفترته الرئاسية التي انتهت منذ فترة وجيزة، أي محاربة الفساد، فكان مصيره الفشل المريع. كما أن التحديث، كان الهدف الآخر. وكانت القــوات المسلّحـــة هي المستفيــد الأكبر منه.
الكتاب: روسيا الزرقاء
تأليف: روناتا ليسنيك، هيلين بلان
الناشر: جينكو - باريس- 2012
الصفحات: 426 صفحة
القطع: المتوسط
Russia Blue
Renata Lesnik, Hélène Blanc
Ginkgo Editeur
- Paris- 2012
426 .p
