يدرس كتاب " سعد يكن ... مرايا الأزمنة الضائعة "، لمؤلفه محمد جمعة حمّادة، حياة الفنان سعديكن، الذي ولد عام 1950 في حلب، في حي الفرافرة. ودرس في مدارس حلب حتى المرلحة الثانوية. ويبين المؤلف مجموعة تفاصيل حول شخصية يكن، مشيرا إلى أن كلمة " يكن " تعني صهر السلطان، عند العثمانيين، وهي أسرة كبيرة .

وينتقل بنا المؤلف إلى محطات عدة، يستهل فيها الحديث عن كيفية بدء سعد يكن الرسم في الصف الخامس الابتدائي لموضوعات بسيطة (مراكب، زهور ). وكيف ان المواضيع التي كانت تستهويه هي المناظر الطبيعية، ويسجل المؤلف قول سعد عن هذه المرحلة : "

لا أعرف حتى اليوم إذا كان مصيري كفنان، قد تحدّد منذ صغري، رغم أني لم أمارس في حياتي إلا عمل أستاذ لمادة الرسم، أو حرفة الفنان، كنت في العاشرة عندما وقعت نكسة الخامس من حزيران، وكان وقعها علي كإنسان وفنان ضبابي، لم تكن واضحة درامياً، وإنما كان تأثيرها عليّ فيما بعد، كأنها حجر رمي في الماء وراح يشكل دائرة بعد دائرة.. وممّا أثر في نفسي كثيراً بهذا الصدد هو معرض ( في سبيل القضية ) للفنان لؤي كيالي ".

ويوضح حمادة أنه بدأ سعد يكن يعمل بالألوان الزيتية واللوحات الكبيرة والصغيرة. ويذكر لنا حديثه عن ميزات هذه المرحلة: " كنت أرسم لمحلات بيع الفخار، فكنت آتي بمجموعات من الفخار، وأرسم عليها، كنت آخذ عن كل فخارة نصف ليرة سورية " .

ويتابع المؤلف رصد محطات حياة سعد يكن، مبينا انه انتسب إلى مركز الفنون التشكيلية، وهناك تعرّف على المدير الفنان إسماعيل حسني، والد المخرج هيثم حقي، وأيضا: طالب يازجي، وحيد استانبولي. وم ثم جاءت بعدها مرحلة الدراسة الثانوية.

ولم يكن قد تبلّور مفهوم الفن عنده، ولم يغامر باللون، ولكنه كان يفضل في داخله، العمل باللونين الأسود والأبيض . وفي هذه الفترة التي يسميها يكن فترة المخاض، شارك بالمعارض الرسمية ومعارض الدولة، ونال جائزة مهرجان القطن عن إحدى لوحاته المصورة للطبيعة . ويعرفنا المؤلف، بعدها، على فكر ورؤى سعد يكن.

موضحا أنه يعتقد بثبوتية المكان، والذي يعتبره حجر الزاوية في لوحاته. ويشير حمادة إلى انه يعد الفنان الخبير بأسرار الفن التشكيلي. ويعرج أيضا على ما قدمه من إسهامات، مبينا أنه افتتح " صالة النقطة"، وهو من روّاد التجريب في الفن، وكان منشغلا بقضايا الاغتراب والقهر، وهو ما قاده إلى بحث مشكلة الخلود. كما شيّد مشروعه على فكرة أنّ الفن يمنحنا المعنى والمواساة في المواجهة اليومية لاضطراب الزمن وعشوائيته.

ويرى المؤلف أننا حين تنتهي من رؤية لوحات سعد يكن، يتجسد حولنا أناس لا يفارقوننا، فيتركون آثاراً غائرة في الوجدان. وهؤلاء هم شخوصه الذين يتجسدون بريشته ولا يمكن حبسهم.. إنهم يستقرون على القماش، ويمكن أن تلاحظهم يمرون بجوارك خلسة.

كما يصور المؤلف قيمة خاصة فريدة في لوحات يكن، فيجد ان في لوحته روحا شعبية تنزع إلى الهجاء، ليس فيها أي سوقية، فنغماته تتصاعد دون بهرجة، وألوانه من النقاوة تبدو وكأنها تشدو في الضوء المشرق من وراء الصورة، وشخوصه مغلّفة بالوحدة الطاعنة والاستغراق في الهموم، وهي خير شاهد على روحيته المتأملة .

كما يتطرق حمادة إلى نقطة أخرى في إبداع سعد يكن، منبها إلى أنه يريد من العلاقة مع المرأة في اللوحة، أن تكون ندّا للمشاهد، وليست زهرة على طاولة.. إذ إنّ دور المرأة في حياته تاريخياً.. وكان قائماً على الحاجة الروحية والعاطفية، وهكذا فهو تطرق إلى القضية من زوايا مختلفة، وبرؤية فريدة، من خلال جملة اعمال ومعارض، منها: معرض "ألف ليلة وليلة ".

واما في تكوين الإنسان والنفس، فيؤكد المؤلف أن لوحات يكن تعكس كيف أنه يجنح نحو الوحدة.. ويعيش في دائرة مغلقة مع ذاته، ويرى أنه ليس هذا المفهوم سلبياً وإنما هو حقيقة واقعة فرضت نفسها، وساهمت في التعبير عن مكنوناتها التي تبرز في الأعمال الفنية، وهذا واضح من خلال اختيار الموضوعات التي ينتقيها لإعطاء المشاهد صدمة أقوى من اللحظة الجمالية العابرة .

إن سعد، كما يصوره مؤلف الكتاب، مواطن في وطن تكاد لا تسمع له صوتاً، وفي همسة الريح يؤدي عمله وينسحب بهدوء، وحيداً كان ووحيداً سيبقى، ورغم وحدته ووحشته سنجده قريباً من القلوب لا قريباً من الأجساد.. وترك شخوصه، من أحبهم ومن كرههم، عرّاهم أمامنا..

وها هم يخرجون من اللوحات هائمين، وقد توقفوا عن البحث عن منافذ الخلاص .. إنهم يتامى كبار وُلدوا في رحم التراجيديا وظلوا معلقين بها . ويختار المؤلف أن يذكر بأن سعد يكن مثل قيمة إبداعية مميزة، وأسهم نوعيا في تذخير الرؤى التشكيلية عالميا، كما أقام الكثير من المعارض في الوطن وفي بلدان العالم . وأهمها: حول ملحمة جلجامش ، نساء وطوفان، الطرب في حلب، التحرر، وألف ليلة وليلة.

 

 

 

الكتاب: سعد يكن .. مرايا الأزمنة الضائعة

تأليف: محمد جمعة حمّادة

الناشر: نون للنشر والطباعة والتوزيع ، حلب 2012

الصفحات: 160 صفحة

القطع: الكبير