عرفت المكسيك، منذ عام 2006، ما يزيد عن 30000 عملية اغتيال. وينظر العالم، مذهولا، إلى الدماء التي يتم سفكها في هذه البلاد.
وها هو الصحافي البريطاني يوان غريللو، الذي يقيم في المكسيك منذ عام 2001، ويعمل لحساب عدد من الصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية، يقدّم كتابا عن "الكارتل" في المكسيك، مستعرضا فيه نشاطات المجموعات الإجرامية المتمرّدة في هذه البلاد.
ويرسم المؤلف صورة أولى وواضحة المعالم، لعالم كارتل المخدرات، والطرق التي تمارسها ومسار تطورها الجذري، كما يقول المؤلف، خلال السنوات العشر الأخيرة.
ويوضح ان مجموعات كارتل- الجريمة المنظّمة العاملة في تجارة المخدرات، ليست مجرّد عصابات تقليدية، بل حركة تقوم على صناعة نوعية، تؤمّن مادتها الأولية حقول شاسعة في جبال المكسيك وهضابها. ولكنها صناعة دموية على خلفية المنافسة بين أسيادها حيث أنشأت تلك المجموعات، كتائب الموت شبه العسكري، والتي تعمل فيها عشرات الآلاف من المسلّحين القادمين من غواتيمالا القريبة من حدود ولاية تكساس الأميركية.
ويرى المؤلف أن الميليشيات المسلّحة التي أسسها القائمون على تجارة المخدرات، وما يرافقها وينجم عنها من جرائم، يجعل من هذه أفراد وزعماء هذه الجهات، "سادة حرب". ولكن ليس على صعيد كسب المرابح وتوسيع موقعهم الاقتصادي، بل أيضا وخاصة، في شأن تحدي الدولة. وهذا على الرغم من تأكيداتهم المتلاحقة، بأنهم لا يطمحون إلى استلام السلطة، ولا يريدون متابعة أعمالهم المربحة. وبهذا المعنى يقول المؤلف، ان مجموعات "كارتل المخدرات" ليست مجرّد عصابات تقليدية ولكن حركة منظمة لها برامجها. ويدعم تحليلاته بعدد من الشهادات، من داخل الحركة ذاتها.
وإذا كان مجال اختصاص مؤلف الكتاب هو القيام بتحقيقات ميدانية، انطلاقا من موقعه المهني كصحافي، فإنه يقدّم أحيانا بعض الآراء ذات العلاقة بالفكر السياسي والاجتماعي. ويؤكد مثلا على أن العديد من الانتفاضات الحديثة، ليس لها علاقة بالإيديولوجيا، مثل ما كان الأمر غالبا في الحالات السابقة، ضمن روسيا في عام 1917 ، وغيرها الكثير. ودليله على ذلك أن سادة تجارة المخدرات في المكسيك، أسسوا منظمات شبه عسكرية، تابعة لهم. ويرى المؤلف أن المكسيك تواجه أخطر تهديد مسلّح منذ الثورة التي كانت البلاد قد عرفتها في بداية القرن العشرين.
وفي معرض الحديث عن ما يمكن وصفه بـ"ميزان القوى"، بين الدولة والمجموعات الإجرامية، يرى المؤلف أن الدولة المكسيكية، تبدو وكأنها أسيرة تلك المجموعات، وغير قادرة على رفع التحدي الذي تواجهه منها. وتتم الإشارة في هذا السياق، إلى أن عدد الاغتيالات التي كانت المجموعات الإجرامية المنظمة وراءها، زاد ثلاثة أضعاف في عام 2008، عن ما كانت عليه الحال في السنة السابقة.
ويبين المؤلف أن الدولة في المكسيك، بذلت جهودا كبيرة للحد من قوّة أسياد الجريمة المنظّمة، ولكن من دون تحقيق نتائج كبيرة، حتى الآن.
كما يربط مؤلف الكتاب، بين تكاثر مجموعات تجارة المخدرات، والتحول الديمقراطي الذي عرفته المكسيك، منذ مطلع هذا القرن. ويشير أيضا، إلى أن النظام الاستبدادي السابق، بقيادة الحزب الثوري، كان قد توصل إلى إلحاق هزيمة كاملة ببعض رجال العصابات، واستطاع فرض ضرائب على الآخرين. لكن مع سقوط حكم الحزب الواحد في المكسيك، ازدهرت الرأسمالية المافيوزية، مثلما هو الأمر عند سقوط الاتحاد السوفييتي السابق.
ويشر ما تقوله بعض الأرقام المقدّمة، إذ إن تجارة المخدرات في المكسيك، حققت خلال السنوات العشر الأخيرة أرباحا تصل إلى 250 مليار دولار أميركي. ويضاف إلى هذا المبلغ، الأرباح المحققة من مختلف فروع التجارة الممنوعة، من فرض الضرائب باسم الحماية أو غيرها، ووصولا إلى تجارة الجسد الدعارة- وتجارة الأعضاء البشرية.
ويصل المؤلف في تحليلاته المقدّمة على مدى صفحات هذا الكتاب، إلى القول ان تصاعد أشكال العنف في المكسيك، يمكن أن تؤدي إلى حرب أهلية ترمي إلى السيطرة على الموارد الطبيعية والمالية للبلاد. وبهذا المعنى، يجد أنه أصبح القائمون على الجريمة المنظّمة، بمثابة، دولة داخل الدولة.
الكتاب: "الكارتل".. المجموعات الإجرامية المتمردة في المكسيك
تأليف: يوان غريللو
الناشر: بلومسبوري- لندن - 2011
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
El Nagro: inside Mexicoصs criminal insurgency
Ioan Grillo
Bloomsbury -
London- 2011
336 .p

