يستعرض كتاب "العنف.. بين سلطة الدولة والمجتمع"، لمؤلفه الدكتور قدري حنفي، أهمية دور الدولة وإجراءاتها، في مواجهة ظاهرة العنف، بكافة أشكالها. ويتناول المؤلف هذا الموضوع، من جوانب متنوعة، وتحت عناوين عديدة.
ونجد حنفي، يرجع أساس تفشي العنف لدى الأطفال في العالم العربي، إلى ما يمكن أن يسمى بثقافة الهزيمة، إذ إن ما مرت به بعض البلدان العربية من حروب وهزائم وقهر، على يد جملة قوى خارجية، أسهمت في ولادة ما يسمى بثقافة الهزيمة. وهو أيضا، ما انعكس على تعاملنا مع الطفل.
فدفعنا الطفل إلى الصمت، ذلك بينما أن الطفل بطبيعته الفطرية، متسائل ومتكلم بشكل كبير. كما دفعناه إلى التلقين فى التعليم، في حين انه فاعل ومفاوض بالفطرة. ودفعناه إلى التصنع بينما هو تلقائي في الاساس. وأخيرا، قدناه باتجاه الجمود، بينما هو مشارك في طبيعته.
ويلفت المؤلف، في سياق بحثه ضمن هذا المحور، إلى واقع التنوع السكاني الكبير فى البلدان العربية، دينيا اجتماعيا وفكريا، ودور ذلك وانعكاساته على اسلوب التعامل، العنفي او اللاعنفي، مع الطفل.
ويتطرق حنفي إلى مجموعة الاشتراطات الواجب توفرها في المتعاملين مع الطفل، مبينا في هذا الصدد، ان تلك الشريحة في مجتمعاتنا العربية، تتألف من أشخاص لهم سمات نفسية تتسم بالانغلاق، وهو ما ينعكس على الطفل، وربما تعتبر هذه الملاحظة الأكثر أهمية الآن في عالم المعلوماتية وثورة الاتصالات والإعلام التي راجت مع التقنية الرقمية.
ويرى المؤلف، ان ذاك الواقع المتردي، في أسلوب تعاملنا مع الطفل، في المجتمعات العربية، والذي يفضي الى العنف، لا خلاص منه، إلا عبر التقيد بمجموعة اشتراطات واعتبارات ومفاهيم، تتمثل في: احترام العقائد والأفكار، الترويج لقيمة التفكير العلمي الموضوعي القائم على الأسباب والنتائج، بث روح الرؤية المستقبلية عند الطفل، التسلح بالنظرة المستقبلية، التفكير الابتكاري وليس التقليدي.
ويتوقف حنفي في كتابه، أمام ما يعرف بالحرب النفسية، باعتبارها محورا ركيزيا في ظاهرة العنف، وكونها مشجعة عليه، ويوضح في هذا الخصوص انها تلك الحرب التي تعتمد على أدوات التأثير النفسي، لتحقيق غرض الحرب العامة المعروفة أو الشائعة، نفسه. ويبين المؤلف هنا، ان الحرب النفسية لعبت دورها فى سقوط الاتحاد السوفييتي القديم، مدللا بذلك على مدى تأثيرها الآن فى الصراع بين الدول.
ويشير إلى انه أضيف حديثا ما يعرف بالرؤية المستقبلية في الحرب النفسية، ومثال ذلك مصطلح "إعادة اعمار العراق"، وذلك بعد ضربه وتخريبه، والرسالة هنا موجهة إلى العالم عامة والى العالم العربي خصوصا، ذلك لأن فكرة التخريب والاحتلال مرفوضة من حيث المبدأ، عند كل الشعوب .
ويعرض حنفي لمحور مهم في كتاب، وهو عن موضوع "الفتنة الطائفية" وصراع الجماعات، مؤكدا ان ذلك يمثل أحد مظاهر العنف، وموضحا أن تماسك الجماعات داخل المجتمع الواحد، يعتمد على وعيها وإيمانها بأن الانتصار وثقافة التفوق والإنجاز، لا يمكن تحقيقها إلا بالتعاون بين كافة الجماعات في المجتمع الكبير.
ويبرز المؤلف، جانبا نفسيا واجتماعيا مهما، في مواجهة العنف، إذ إن الشعور بالخطر الداهم، يساعد على خلق المزيد من الروابط بين الجماعات المتنوعة، والدليل العملي التاريخي في مصر على ذلك، هو ما حدث عام 1919. إذ اشترك المسلمون والمسيحيون فى مواجهة المحتل الانجليزي.
ويتطرق حنفي الى ما يعرف بالعنف السياسي، مقدما رؤية نفسية بشأن هذا المصطلح. ويلفت في هذا الخضم، إلى أن هذا المصطلح مختلط بعدد آخر، مثل: التطرف، الإرهاب، التعصب، الأصولية، التضحية. وبالعموم قد يتم تعريف العنف السياسي كونه نوعا من أنواع العنف الداخلي، أي أنه صراع أطراف وجماعات، تحت مظلة دولة واحدة.
وهناك العنف السياسي الذي يدور حول السلطة: من يمسك بالسلطة مع من يتنازع عليها. ويغلب على العنف السياسي طابع العلانية، بل إن الإعلان عن هذا العنف هو الهدف في حد ذاته، وكذا مسعى الجهة التي تتبناه. ويدرج حنفي للعنف السياسي، مجموعة انواع ، لافتا الى نوع من العنف ليس مجردا فى ذاته، بل له مضمون قريب من فهم الجماهير والناس أو على الأقل، موافقة ضمنيا عليه.
وكذلك نوع آخر يسمى العنف السياسي القومي، ومثاله العنف الذي صاحب عمليات التحرر من الاحتلال في: مصر والجزائر وسوريا. وأيضا، العنف السياسي الاقتصادي، والذي يهدف إلى تغيير النظام الذي تتبعه السلطة بغرض إشباع احتياجات المواطنين، إذ لا سبيل إلى ذلك، إلا بالاستيلاء على السلطة وتحقيق هذا الهدف، والذي ربما يبدو اقتصاديا وحسب. وأما العنف السياسي الديني، فيرى المؤلف أنه شائع، حاليا، في بلدان كثيرة من العالم، وشرطه الأساسي أن يكون الصراع بين جماعات دينية تعيش تحت علم واحد.
الكتاب: العنف.. بين سلطة الدولة والمجتمع
تأليف: د. قدري حنفي
الناشر: هيئة الكتاب المصرية 2012م
الصفحات: 375 صفحة
القطع: المتوسط

