عندما يتم الحديث عن تاريخ العالم منذ قرون، يُفهم غالبا، أن المقصود هو تاريخ أوروبا وتوسعها الاستعماري في إفريقيا وآسيا وأميركا. إن مثل هذا التمركز حول التاريخ الأوروبي، يمثل موضوع كتاب الباحث والمؤرخ الفرنسي رومان برتران، الذي يحمل عنوان "التاريخ بالتساوي"، إذ يقدّم فيه ما يسميه: "روايات لقاء بين الشرق والغرب"، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.
ويرى المؤلف في النزعة الأوروبية المفرطة، في ما يتعلق بكتابة تاريخ العالم الحديث والمعاصر، خللا كبيرا وتحيّزا للرؤية الأوروبية. وأما علاج مثل هذا الخلل، فيراه في كتابة "تاريخ بالتساوي". وهذا بمعنى الاعتماد على مصادر أخرى، غير تلك التي يعتمدها الأوروبيون.
إن المؤلف يقدّم في هذا الكتاب رواية مفصّلة عن اللقاءات الأولى بين أوروبيين، وخاصة هولنديين، وآسيويين، في أواخر القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر. وهو يقدّم البراهين على أن أوروبا لم تكن تمتلك آنذاك، أية امتيازات، بالمقارنة مع مجتمعات منطقة الجزر الآسيوية (ماليزيا واندونيسيا)، ذلك في مجالات الكفاءات البحرية أو على صعيد الخرائط الجغرافية أو التجارة الكبرى أو التكنولوجيات العسكرية.
ولا يتردد المؤلف في التأكيد أنه عندما وصلت السفن الأوروبية إلى ماليزيا وجوارها، لم تصادف أبدا أمامها، عالما بدائيا، بل على العكس، توضح التوصيفات المقدّمة حول ذلك العالم، أنه كان يتمتع بمجتمعات معقّدة التركيب. وكانت قد عرفت قبل عقود عديدة، شبكات تجارية مزدهرة، وعلى مسافات جغرافية بعيدة. ولم يكن الأمر يقتصر على التجارة فحسب، بل كانت هناك حياة اجتماعية وثقافية، تتخللها نقاشات في مختلف الميادين.
ويسوق المؤلف براهين متنوعة، على كون تلك المجتمعات كانت تحاكي، بل تضاهي، المجتمعات الأوروبية من حيث درجة التطور الذي عرفته، لافتا الى ان هذا يتطلب بالضرورة، طريقة جديدة مختلفة جذريا، في ما يتعلق بكتابة التاريخ الشامل "المعولم" للعالم.
وعلى مدى القسم الأول من الكتاب، يشرح رومان برتران، طبيعة الخطأ الذي تقوم عليه النزعة الأوروبية المركزية، والتي أرادت إقناع الأوروبيين بأنهم يعيشون في مجتمعات تختلف جذريا عن بقية مجتمعات العالم، عبر تقصّي المسار التوسعي لأوروبا، أو بالنظر إلى القارة القديمة، من بعيد.
ويحدد المؤلف نتيجة مثل هذا القصور، بتبيان حقيقة أن ما يجري أحيانا، هو تعليم تاريخ العالم الشامل، وكأنه ذو أبعاد محلية، على غرار ناد للسادة، يغلق الأبواب أيضاً. ويضيف أنه انفتح فقط على حكايات مثل "ألف ليلة وليلة" أو عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى توابل الهند والسند. ولكنه كان يعود في كل مرة، إلى الانغلاق سريعاً، عندما يتعلّق الأمر بالأشياء الجدية.
ويقول المؤلف أنه عندما وصل الهولنديون إلى جنوب شرق آسيا، اعتبروا أنهم حققوا حلماً قديماً، وأن القرن السادس عشر سيكون بداية سيطرتهم على العالم. وهناك حمّلوا سفنهم بالتوابل والأواني الفخارية والأقمشة الحريرية. وجعلوا من المحيط الهادئ، المجال التجاري الأكثر ازدهاراً في العالم، وذلك قبل عصر العولمة الراهنة. وكان البرتغاليون قد سبقوهم إلى تلك المنطقة، إذ كانوا يطمحون هم أيضا، إلى الحصول على التوابل.
ويشرح المؤلف في معرض المقارنة مع البرتغاليين، أن الهولنديين قدّموا أنفسهم في البداية كمبشرين، لكن سلوكياتهم كانت أقبح بكثير مما فعله البرتغاليون، حسب المصادر الماليزية. وبعد عشرة أشهر من وصولهم، أنهى قائدهم ما سُمّي تاريخيا بـ"الإبحار الأول". ولكنهم كانوا قد دخلوا في منافسة حقيقية، من أجل تثبيت تفوقهم الاقتصادي على البرتغاليين، والذين كانوا قد سبقوهم. وما فعلته القوتان، البرتغالية والهولندية، كان بمثابة التعبير عن وجود مفهوم شامل لعولمة مبكّرة.
ولكن، إذا كان مؤلف الكتاب يتحدث عن لقاء تجاري، على خلفية المصالح، فإنه لم يصل إلى حد القول بوجود تفاعل حضاري بين الغرب والشرق، خلال مشاريع التوسع الأوروبي الأولى. وذلك خاصة أن الهولنديين لم يكونوا يعرفون شيئا تقريبا، عن أولئك. بل ويرى أنهم لم يتوجهوا عمليا إليهم، من موقع من يعرفهم، ولكن من موقع الفكرة المسبقة التي كانت لديهم عنهم. وهذا ما يعبر المؤلف عنه بالقول، ان اللقاء كان بين تجار لا يملكون أية ثقافة حقيقية، وأرستقراطيين مأخوذين بسلسلة من الأحكام المسبقة.
ويلفت المؤلف إلى أن الجسور كانت مقطوعة، إلى حد كبير، بين الغزاة وأولئك الذين كانوا ضحية غزوهم، ولكنه يقدم توصيفا دقيقا لما كانت عليه ذهنية التجار الهولنديين، في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
ويتبدى الكتاب في ماهية أبحاثه، وكأنه ضد الموجة السائدة في طريقة كتابة التاريخ الأوروبي، والذي لا يمثل برأي المؤلف، تاريخ العالم، إذ إن العالم الشامل يتطلب بالضرورة، تاريخاً شاملاً.
الكتاب: التاريخ بالتساوي
تأليف: رومان برتران
الناشر: سويل - باريس- 2011
الصفحات: 670 صفحة
القطع: المتوسط
Lصhistoire à parts égales
Romain Bertrand
Seuil - Paris- 2011
670 .p

