كُتب الكثير عن التيار الفلسفي الذي جرت تسميته بـ "مدرسة فرانكفورت". والمقصود بذلك الحركة النظرية الألمانية التي ينضوي في إطارها مفكّرون وفلاسفة كبار، من أمثال: ماكس هوركهايمر وولتر بنجامان وتيودور ادورنو وهربرت ماركوز وجورجن هابرماس وأكسيل هونيت وهرتموت روزا" وغيرهم. وهذا التيار هو موضوع كتاب الفيلسوف الفرنسي الشاب جان مارك دوران ـ غاسلان، والذي يحمل عنوان "مدرسة فرانكفورت".
يشير المؤلف إلى أنه تعود بدايات تكوّن هذه المدرسة الفكرية ـ الفلسفية، إلى سنوات العشرينيات من القرن الماضي: العشرين. وتقول القصّة ان ابن أحد بورجوازيي مدينة فرانكفورت الألمانية، تردد، آنذاك، على مجموعة من المثقفين الشباب اليساريين المأخوذين، مثله، بالعلوم السياسية وكانوا يحلمون بتأسيس معهد فكري للتعبير من خلاله عن أفكارهم.
واستطاع ذلك الشاب البورجوازي، واسمه فيلكس ويل، أن يقنع والده بتمويل ذلك المشروع. والتفسير الذي يتم تقديمه لموافقة الأب، يتمثّل في القول ان مدينة فرانكفورت كانت وريثة تقاليد ثقافية عريقة، وهي التي شهدت أوّل معرض للكتاب في عام 1150، لا يزال الأهم حتى اليوم؛ إنه معرض فرانكفورت للكتاب.
وكانت فرانكفورت آنذاك، أيضا، بمثابة أحد معاقل الفكر الليبرالي بمواجهة الموجة النازية الصاعدة. وفي عام 1924 تمّ تدشين "معهد الأبحاث الاجتماعية"، الذي حدد هدفا رئيسا له، وهو التحضير لانتصار الاشتراكية على الرأسمالية. ولا يزال هذا المعهد قائما حتى اليوم. والإشارة في هذا السياق أن تسميته "مدرسة فرانكفورت"، لم توجد إلاّ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن ثم عودة اثنين من رموزه من المنفى، وهما ماكس هوركهايمر وتيودور ادرنو.
يقوم مؤلف الكتاب، جان مارك دوران ـ غاسلان، بنوع من "إعادة البناء الفكري" لمسار مدرسة فرانكفورت. وهو يعتمد على توصيف العديد من المفاهيم التي سادت في القرن العشرين، منها: تعميم الاستهلاك، الصناعة الثقافية، السيطرة الإدارية، اغتراب الرغبات. وأمّا المشرب الرئيس الذي انتهجته مدرسة فرانكفورت، فيتمثّل في توجيه النقد الشديد إلى الحداثة الرأسمالية التي تميل إلى النظر لكل المواضيع كأشياء.
وتتم الإشارة في هذا السياق، إلى أن التنوّع الكبير في الإنتاج النظري لرموز التيار الفكري المعني، وكذا لأساليبهم في التعبير والكتابة، إذ يجعلان من الصعوبة بمكان الحديث عن "مدرسة". وهذا خاصّة في طل التعارض الكبير مثلا، بين أطروحات وولتر بنجامان وأطروحات غورغن هابرماس.
يضاف إلى ذلك، التنوّع في الآراء والأطروحات كنوع من القطيعة بين الأجيال وبين التجارب التاريخية، وبين المرجعيات الفكرية المختلفة. يقدّم المؤلف، أهم المقولات والأطروحات التي عرفتها مدرسة فرانكفورت من خلال ثلاثة محاور أساسية.
الأول منها يحمل عنوان "مشروع وتحدّي مفهوم الكارثة"، إذ يجري الحديث عن تفرّد مشروع هوركهايمر وعن الفترة الجنينية للماركسية الجمالية. ويحمل الثاني عنوان "حركة التصحيح الديمقراطي"، ويتم التعرّض فيه للروابط بين الديمقراطية والنظرية النقدية، ضمن أطروحات هابرماس. وأما موضوع المحور الثالث والأخير، فهو إعادة إدراج مفهوم التنازع، على صعيد الصراعات الاجتماعية.
وتحت عنوان "النظرية النقدية"، يؤكد مؤلف الكتاب على مطلب الإبداع ومطلب الالتزام. ويدلل على أن الأمر يتعلّق بنظرية ـ ضمن المقياس الذي يتم فيه تحليل الحداثة ـ نقدية من حيث انه ينبغي للمسار الفكري للذين ينضوون تحت راية مدرسة فرانكفورت، أن يهدف إلى التحرر الإنساني من المفهوم السائد في إطار الحداثة، التي تجعل من الإنسان مجرّد سلعة.
وكذلك أعلنت مدرسة فرانكفورت رفضها اعتبار الثقافة مجرّد نتيجة تحددها البنية الاقتصادية للمجتمعات المعنية فيها، فالثقافة في رأيها، أرض المعركة الرئيسية لأي مسار تحرري. وبالمقابل ينقل المؤلف عن هوركهايمر تأكيده على ضرورة أن يستخدم النهج الفلسفي كل تقنيات البحث الاجتماعي من إحصاء وتحليل نفسي، وقوله: "ينبغي إيجاد طرق جديدة، لكن دون تجاهل ما هو كوني ـ يونيفرسال".
الكتاب: مدرسة فرانكفورت
تأليف: جان مارك دوران ـ غاسلان
الناشر: غاليمار، باريس، 2012
الصفحات: 586 صفحة
القطع: المتوسط
Lصecole de francfort
Jean Marc Durand- Gasselin
Gallimard - Paris- 2012
586 .p

