عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، في عام 1945، كانت مدينة لندن، العاصمة البريطانية، كومة من الحطام، بسبب عمليات القصف الجوي، العنيف والمتكرر، الذي قامت به الطائرات الألمانية. كان كل شيء بحاجة إلى إعادة تعمير وبناء على أسس جديدة.
وغير قليل، عدد الكتّاب والفنانين الذين وجدوا في لندن المخرّبة، مادة لتوجهات طليعية، على طريق التأسيس لثقافة مضادة، أي بمعنى محاولة قلب مفاهيم الثقافة المسيطرة وقيمها. ومن بين هؤلاء، باري ميلس، الذي يقدّم كتابا تحت عنوان: "هنا لندن"، يتحدث فيه عن "تاريخ الحياة الثقافية السريّة في لندن منذ عام 1945"، كما يقول عنوانه الفرعي.
ينطلق المؤلف في تأريخه لـلثقافة السريّة البريطانية المضادة، بعد الحرب العالمية مباشرة، وتحديدا منذ تاريخ 8 مايو، من عام 1945، الذي هو تاريخ توقيع الهدنة مع ألمانيا النازية والمتقهقرة، آنذاك. وكانت العاصمة البريطانية حينها، أكبر مدينة في العالم، وكذا في صفوف المنتصرين، ذلك باعتبارها عاصمة بريطانيا، إحدى الدول الرئيسية لـ"الحلفاء"، في مواجهة دول "المحور" التي تمثل معسكر المهزومين في تلك الحرب الكونية.
لكن مدينة لندن، المنتصرة، كانت مدمّرة بقسم كبير منها، بعد أن تلقت كميات هائلة من القذائف الألمانية. وكان عدد قليل من أحيائها، وخاصة حي سوهو وحي فتزوفيا، قد بقيا سالمين إلى هذه الدرجة أو تلك، ويشير المؤلف إلى أن خرائب الحرب العالمية الثانية، تحوّلت إلى مختبر لما يسميه بــ "الثقافة المضادة"، والتي يرى فيها توجّها إبداعيا حقيقيا للعديد من تيارات الحداثة.
ويبين أنه في مثل تلك الأجواء، ظهرت: "البوهيمية اللندنية، حركة "الشباب الغاضب"، "البيتلز"، "الرولنغ ستون"، "البانك". وأيضا غيرها الكثير من الحركات العديدة الأخرى، والتي وضعت نتاجها تحت عنوان واحد، وهو الحداثة.
إن سلسلة الأسماء التي يذكرها المؤلف في هذا السياق، طويلة جدا، إلى درجة أن القارئ يضيع في زحمتها. كما أن التوجهات الفنية والأدبية والموسيقية التي تعبّر عنها، طويلة هي أيضا. ولكن عبر هذا كله، تتولّد القناعة بمدى قوة الغليان الحقيقي في داخل البوتقة الثقافية، ضمن لندن، خلال تلك الحقبة من الزمن.
وتواكب ذلك مع بروز مختلف الأطر الجديدة للثقافة المضادة، وهي مضادة بمعنى ابتعادها عن الثقافة الإنجليزية المعروفة بـمحافظتها. وفي الوقت نفسه، يقدّم المؤلف تجربته الشخصية في ذلك الإطار، وطوال مدة تقارب النصف قرن من الزمن. ويلفت إلى ان الثقافة "الحديثة" انطلقت من شوارع لندن وأزقتها الضيقة، وخاصة من ركامها، بعد الحرب العالمية الثانية، كما يؤكّد المؤلف.
الشخصيات الأدبية والفنية والموسيقية العديدة التي يقدمها المؤلف، في صفحات هذا الكتاب، كرموز لـلحداثة، تجمع بينها صفات مشتركة، في مقدمتها، أن المعنيين كانوا، إلى هذه الدرجة أو تلك، من الهامشيين ومن الذين يميلون بالغريزة، إلى إثارة الآخرين، في مجتمع متطرف بمحافظته. والعديد منهم لم ينالوا أي قدر من الشهرة، وظلّوا مجهولين من الآخرين. لكن لم يكن يثير ضيقهم أن يبقوا شعراء مغمورين رسّامين لا قيمة لهم، في بورصة الفن. وأيضا موسيقيين لم تعرفهم المسارح الكبرى. فالبعض منهم فقط أصبح في عداد المشاهير، مثل: الرسام فرنسيس بيكون، فرقة البيتلز الموسيقية.
ويشرح المؤلف، أنه إذا كانت الثقافة المضادة قد برزت، على صعيد الموسيقى والعادات، بشكل قوي وبارز، فإنها كانت موجودة أيضا على صعيد الأدب والرسم. وينتهي إلى القول انه إذا كانت سنوات مارغريت تاتشر في رئاسة الحكومة البريطانية، قد حطّمت تلك الحركة الطليعية، بكل مشاربها، فإن عصر الإنترنت أعلن موتها.
الكتاب: هنا لندن، الحياة الثقافية في لندن منذ عام 1945
تأليف: باري ميلس
الناشر: أتلانتيك بوك، لندن، 2011
الصفحات: 468 صفحة
القطع: المتوسط
London calling
Barry Miles
Atlantic Books - London
- 2011
468 .p

