في ليلة 14 إلى 15 أبريل، من عام 1912، غرقت السفينة الشهيرة تيتانيك في مياه المحيط الأطلسي، مما أدى إلى وفاة حوالي 1500 شخص كانوا على متنها. ومن المعروف أن ذلك الحادث الكبير كان موضوع سلسلة طويلة من الكتب والأعمال الأدبية، هذا فضلا عن الفيلم السينمائي الشهير: "تيتانيك".
الكاتب البريطاني ريشار دافنبورت ـ هينس، يقدّم عملا جديدا بمناسبة مرور مئة عام على غرق السفينة تيتانيك، تحت عنوان: "الحياة على متن تيتانيك". وأثار هذا الكتاب، الكثير من التعليقات والآراء، إذ اعتبره بعضها، أحد أفضل وأكمل الأعمال حول الموضوع.
إن غرق تيتانيك لم يكن الكارثة البحرية الأكبر في التاريخ، بل وليس الكارثة التي أودت بحياة أكبر عدد من البشر في زمن السلم. وكانت الغواصات السوفييتية وطائرات الحلفاء قد أوقعت أضعاف أعداد ضحايا غرق السفينة الشهيرة.
ويرى المؤلف أن الاهتمام بـغرق تيتانيك، لا يعود فقط إلى كونه مثّل أحد أكبر الكوارث البحرية في التاريخ، بل لأن النظر إليه من بعيد، يجعله بمثابة مؤشر على نهاية حقبة من مظاهر الترف الإنجليزي، وبداية نوع من الثأر الذي أجابت فيه الطبيعة على غطرسة مظاهر البذخ التي مثلتها تيتانيك، في رحلة تدشينها ضمن مياه المحيط الهادئة. والإشارة إلى أن غرق السفينة أتى بعد شهر واحد من رحلة الكابتن سكوت التي هلكت وفقدت في عرض البحر.
وفي مثل هذا النهج من التحليل، يصل المؤلف إلى القول ان غرق تيتانيك، كان بمثابة ضرية قاسية لمشاعر الإحساس بـالتفوق، السائدة آنذاك، لدى النخب البريطانية. وذلك قبل عامين من اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.
وينقل ريشار دافنبورت ـ هينس عن "ج. ك. شستيرتون، ما علّق به على تلك الحقبة. وجاء فيه: "إن حضارتنا هي في الواقع على غرار تيتانيك، في قوتها كما في عجزها، وفي أمنها كما في فقدان أمنها. لكن لم يكن التناسب نفسه قائما بين الميل نحو البذخ والترف الظاهري، وبين العمل من أجل مواجهة الفقر واليأس. إن النظام بالغ في تقديم الجهود من أجل الازدهار وأجحف كثيرا فيما يخص مواجهة القلق، تماما مثلما هو الحال بالنسبة للدولة الحديثة". ويقوم المؤلف بسلسلة طويلة من المقارنات، بين الحقبة التي شهدت غرق تيتانيك، والحقبة الراهنة التي يمر فيها العالم الرأسمالي خاصة.
ويرى أن أسياد العالم اليوم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، يتصرفون بكثير من المبالغة في إعطاء الثقة للأسواق المالية التي كانوا هم في الأصل وراء تصميمها. وذلك مثل أولئك الذين صمموا تيتانيك وبنوها. إذ ساد الاعتقاد بأن تيتانيك لا يطالها الخلل، وأنها رائعة تقنية، وأن قبطانها وبحّارتها هم من صنف فوق البشر.
وهكذا يتم التعرض منذ الصفحات الأولى للحديث عن شخصية مالكها الملياردير جون بييربون مورغان. وعن الشخصيات "التيتانيكية"، من أرباب الصناعة والمال وممثلي الرأسمالية الظافرة آنذاك، مثل: أفراد عائلات: روكفلر، كروب، راتنو. وغيرهم.
لكن بالمقابل يتم الحديث عن أولئك الذين ساهموا في تصنيع تيتانيك، والذين يمثلون، حسب المؤلف، مئات الآلاف من العمال في المناجم والمصانع والورش والتجارة الأوروبية والأميركية، وأيضا آلاف الحرفيين من ميكانيكيين ومهندسين ومتخصصين في مختلف الميادين. فهؤلاء جميعا، كان هناك من يمثلهم على متن السفينة، عندما أقلعت ولم تعد أبدا.
ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات للحديث عن هذه الشخصية أو تلك، ممن كانوا على ظهر السفينة، مثل الملياردير دون جاكوب استور الذي مات غرقا، بينما نجت زوجته. وهذه الشخصيات يصف المؤلف دقائق حياتها على متن السفينة بشكل مفصل.
الكتاب: الحياة على متن تيتانيك
تأليف: ريشار دافنبورت ـ هينس
الناشر: هاربر برس ـ لندن 2012
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسط
Titanic lives
Richard Davenport-Hines
Harper Press-
London - 2012
400 .p

