هناك مشاكل كثيرة تعاني منها المجتمعات الغربية اليوم، وهي من طبيعة مختلفة، بيئية ومالية وسلوكية. وغيرها، والحل لهذه المشاكل كلها يكمن في العلم.. هذا فعليا، ما يشرحه عالم الفلك الفرنسي، ذو الشهرة العالمية، اندريه براهيك، في كتابه :"العلم، طموح من أجل فرنسا".
ويقول المؤلف في هذا الصدد: "ينبغي أن تكون الثقافة والتربية والبحث، بمثابة الأولويات المطلقة لأي بلد متقدّم. ولا يمكن النضال بفعالية ضد العنف والبطالة، إذا لم يتم خوض المعركة من أجل المعرفة. إن ندائي من أجل العلم موجّه للجميع، المواطنين ورجال السياسة والمسؤولين الاقتصاديين وأصحاب القرار والأساتذة والباحثين. وإلى الجميع أقول، عليكم أن تحبوا العلم، فهو يستطيع أن يقدم لكم الكثير كي تكونوا سعداء. فلنتجرأ ونخوض تجربة العلم من أجل الإعداد للمستقبل، ولنقم الحوار بين العلوم والمجتمع، بين فرنسا وباحثيها".
إن مضمون هذا النداء هو ما يشرحه المؤلف، على مدى فصول الكتاب، والتي تبدأ بـ"نداء من أجل البحث"، وحتى: "20 نصيحة للاستكشاف"، وتمر وتنتهي بعناوين عدة، مثل: "معرفة العلم تعني محبته"، "العلوم في خدمة المجتمع"، "يا علماء وساسة العلم اتحدوا"، "علينا أن نعيد الصلة مع التطلع العلمي لأوروبا".
ولا يتردد المؤلف في المطالبة بضرورة استئناف الأبحاث الخاصة بغزو الفضاء. وذلك لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، وفي مقدمها، اكتشاف المعادن ومصادر للطاقة. ويكتب المؤلف: "إذا أهملنا الفضاء، فإن آخرين سيستفيدون من المواد الأولية الموجودة هناك". بل ويرى المؤلف في الأبحاث الفضائية، فضائل تربوية واجتماعية واضحة. ذلك أن أجيال الشباب سيندهشون بإعجاب كبير، عندما يسمعون محاضرات حول المنظومة الشمسية.
ويرى المؤلف أن المسؤولين عن الصناعة ووسائل الإعلام، يفتقرون كثيرا إلى المعارف العلمية، كما ان الحكومات لا تحتوي، من وجهة نظره، على باحثين، إلا نادرا، والأمر نفسه بالنسبة لدوائر القرار على مختلف مستوياتها. وذلك مع ملاحظة أن البشر يستخدمون في حياتهم اليومية، أحدث الاكتشافات في تنقلهم وتواصلهم وعلاجهم وتسليتهم. ولكن الهوة تزداد بين أصحاب القرار والباحثين.
ويميّز المؤلف بين الحالة الأميركية، حيث ان رئيس الولايات المتحدة، محاط دائما بعدد من كبار العلماء الذين يطلب باستمرار استشاراتهم. ويوحي المؤلف بفكرة أنه من الأهمية بمكان ايجاد دوائر وحتى وزارة متخصصة بـالمستقبل، تقدّم رؤيتها بالنسبة للمدى الطويل. وذلك على أساس أن الأزمنة بالنسبة للعلم، أطول من ما هي عليه بالنسبة لـ"الحياة السياسية".
وأما مشكلة البحث في فرنسا، فيحددها في الجمع، بين بيروقراطية النظام السوفييتي وسياسة الأمد القصير للنظام الأميركي. ويبين انه، وفي الوقت الذي يمضيه لاعبو كرة القدم أو كرة اليد في التدريب، ينكبّ العلماء على تجهيز الملفات والوثائق، من أجل الحصول على أقل المساعدات أو الميزانيات.
ومن المهمات التي يؤكد المؤلف عليها، بشان المنظومة التربوية، العمل الحثيث من أجل دفع الطلبة إلى تعلّم التفكير وتنمية العقل النقدي لديهم. وذلك من أجل غاية محددة، وهي جعلهم يتجنّبون الوقوع في عدم التسامح والظلامية.
وتجري الإشارة إلى أن الثقافة العلمية لا تحتل اليوم سوى مكانة متواضعة جدا، على مختلف مستويات التعليم. وإحدى المشاكل الكبرى في هذا الإطار، يجدها المؤلف في تأمين المدرّسين الأكفّاء. وفي مجال الحديث عن دور العلم حيال أزمات العالم المعاصر، يشرح المؤلف، حقيقة أن العلم هو أفضل وسيلة لمكافحة البطالة عبر التجديد. وهو أيضا أفضل وسيلة لمكافحة العنف الذي يولّده الجهل، أكثر من أي شيء آخر. ويرى أن الأزمة المالية ليست سوى نتيجة لنسيان المبادئ الأساسية للفيزياء.
ويشرح المؤلف أنه كان من الطبيعي الدخول في طريق مسدودة، عندما جرى استبدال عالم المهندسين بعالم الإداريين الماليين، وعالم الباحثين بـعالم البيرقراطيين. فالمطلوب إذن هو أن تُعطى الأولوية لصانعي الثروة الحقيقيين.
الكتاب: العلم.. طموح من أجل فرنسا
تأليف: اندريه براهيك
الناشر: اوديل جاكوب- باريس- 2012
الصفحات: 158 صفحة
القطع: الصغير
La science, une ambition pour la France
André Brahic
Odile Jacob - Paris- 2012
158 .p

