يتخصص كتاب "المحاكمة.. تأملات في حال الدنيا والعباد"، لمؤلفه إلهامي راشد، في نوعية جديدة من الكتابة الأدبية، إذ يشتمل على الكتابة عن الإنسان في أصعب حالاته وأكثرها حزناً وتأملاً، وذلك عبر منتج أدبي مصدره كاتب يحاور الورقة والقلم بصدق وشفافية، في لحظات حديث صادق مع نفسه ومع صيرورة تأملاته ومكنونها، وهو ما قد يجد فيه ما يجعله يستشف جملة حقائق جديدة عن الحياة وعن نفسه، أو أن يجد طرقاً جديدة للتفكير في حل نوع معين من المشاكل.

ويتسم الكتاب بتميز أفكاره المحددة، التي يعبر عنها مؤلفه، مباشرة، من دلالات عنوان كل مقالة، كما أن كل مقالة تتسم بتكثيفها الشديد، وكذلك عرضها لأفكار كبيرة، في الوقت نفسه، علاوة على كونها تعكس ثقافة حياتية متنوعة، صاحبها هو الباحث (المؤلف) إلهامي راشد. كما أنها، تجسد ما يجول في ذهن إنسان هذا العصر، وسط جميع المتغيرات التي يحياها، من بيئية وتكنولوجية واجتماعية.

ومن أهم النقاط التي يثيرها راشد، في مقالاته ضمن الكتاب، التفكير في كل ما يحيط به من دون حدود أو فواصل أو رقيب على فكره وضميره، وذلك سوى عقله ومبادئه. وتمتلئ عناوين المقالات بتكثيف معمق، فهي لا تتعدى الكلمة أو الاثنتين، مثل : "المحاكمة"، "الموت"، "النوم"، "الحمار"، "ولا عزاء للرجال" ، "الخداع البصري".

ونقرأ ما يقوله المؤلف، في هذا الكتاب، تحت عنوان: (لاعزاء للرجال): "مساء أمس اضطررت إلى القيام بواجب العزاء في أحد أقارب رجل أعمال كبير ومشهور جداً. ذهبت ولم أتردد في تلبية واجب العزاء .. بالرغم من أنه لاتربطني أية علاقة معرفة بأصحاب العزاء .. ولكن العزاء واجب.

وعند وصولنا إلى السرادق بأحد أكبر مساجد القاهرة، شاهدت جحافل من الكبار في شتى المجالات السياسية والفرية والاجتماعية والفنية، ولم أكن أتصور بشخصيتي المتواضعة، أن أراها يوماً بهذه الكثافة في مكان واحد.. وبمجرد دخولي السرادق، فوجئت بأن الجميع ..

يتبادلون الأحضان والضحكات بصوت واضح جلي، حتى ان المقرئ الذي يتلو آيات الذكر الحكيم، يكاد صوته وصوت مكبرات الصوت، أن يكون مسموعاً.. وكأن الجميع قد تواعدوا على اللقاء لأسباب أخرى بعيدة عن واجب العزاء" .

وفي محطة أدبية جمالية، شيقة الطابع، وذات محتوى قوي الدلالة، يقول المؤلف، في مقالته تحت عنوان (السعادة):" إحساس جميل وغال على كل منا، نبذل الكثير والكثير من الجهد، ونتحمل الكثير من الأعباء النفسية والمادية أملاً في تحقيقه..أتساءل هنا وأتعجب، كيف نجحت الالتزامات والمسؤوليات والهموم في سرقة هذا الإحساس الجميل من حياتنا؟! لماذا تحولنا إلى تروس تدور داخل آلات؟ ..

وافتقدنا الكثير من المشاعر الجميلة والرقيقة التي هي أساس التواصل والترابط والتراحم الاجتماعي، بين أفراد المجتمع بصفة عامة، وأفراد الأسرة بصفة خاصة؟!.. أتحاور مع نفسي كثيراً، محاولاً الوصول الى القيمة الحقيقية في أن أعمل ليل نهار، دون أن أوفر حتى ساعة واحدة يومياً، مع زوجتي وأولادي.. أليس هؤلاء من أعمل من أجلهم وأتحمل ما لا يتحمله بشر من أجل توفير قوت اليوم وتأمين حاجة الغد ؟!".

وأما تحت عنوان (هدنة)، فيكتب إلهامي راشد: "قررت أن أعيش في هدنة إلى أجل غير مسمى، هدنة لالتقاط الأنفاس، أو، إن صدق القول، للحفاظ على ما تبقى منها، وهو القليل، وفوجئت بأن قطار العمر لا ينتظر، وهو القطار الوحيد الذي نتشارك فيه جميعاً، دون خيار أو حجز مقدم .. الكل راكب في كرسيه ولايستطيع تغييره، ولكل شخص محطة لا بد أن يغادر فيها الرفاق والأهل والأحباب، دون سابق إعلان أو إنذار ...".

 

الكتاب: المحاكمة ــ تأملات في حال الدنيا والعباد

تأليف: إلهامي راشد

الناشر: (كتاب اليوم) السلسلة الثقافية - مؤسسة أخبار اليوم للطباعة والصحافة والنشر . 2012

الصفحات: 128 صفحة

القطع: المتوسط