تزوّج الكاتب والرحّالة البريطاني الشهير، لورنس دوريل، في سن العشرين، من نانسي مايير، التي درست الرسم، وعاشا معاً 10 سنوات. والكاتبة البريطانية جوانا هودكين، ابنة نانسي، من زواج ثانٍ، تروي قصة حياتهما المشتركة ابتداء من زواجهما عام 1932 وحتى انفصالهما عام 1942. وذلك في كتاب يحمل عنوان "هواة في فردوس عدن: قصة زواج بوهيمي".
والكتاب هو قبل كل شيء، نوع من السيرة الأدبية، لأمّ المؤلفة التي عاشت حياة قاسية جدا مع الكاتب الشهير. وكانت بذلك، مثل أغلبية نساء الكتّاب المشاهير، مثل كاترين زوجة شارل ديكنز، ونورا زوجة جيمس جويس، وفينيين زوجة ت س توماس ستيرنز اليوت، كما تشير المؤلفة. وتضيف ان قصة والدتها مثال على ظاهرة وضع نساء الكتّاب المشاهير، على الهامش.
وتنحدر الأم نانسي من أسرة كانت لديها طموحات اجتماعية تفوق إمكاناتها. وكان والدها من أسرة غنيّة، ولكنه أضاع القسم الأكبر من ثروته في المقامرة، ما اضطر أسرتها إلى ترك المنزل (الفخم)، الذي كانت تسكنه إلى منزل متواضع، في لونكولنشاير. مع ذلك استطاعت الابنة نانسي أن تتابع دراسة الفن.
وكان لقاء نانسي مع لورنس دوريل، إذ شكّلا ثنائيا غريبا، فكان كل شيء يفرّق بينهما. وتنقل المؤلفة عن أمها، أنها تساءلت في مذكراتها: "ما الذي جعلنا نعيش معا؟". وتحاول المؤلفة، تقديم بعض الإجابات التي يبدو أن الأم لم تستطع تقديمها. وهي ترى أن رغبة الجمع بين الطموحات الأدبية من جانب.
والتطلعات الفنية، من جانب آخر، كانت وراء مشروع العيش المشترك. وعندما ذهبا للاستقرار في جزيرة كورفو اليونانية عام 1935، برفقة والدة لورنس وأخوته وأخواته، استطاعا التفرغ لاهتماماتهما الأدبية والفنية. وتتم الإشارة إلى أن أخ لورنس، أي جيرالد دوريل، قدّم عملا أدبيا جميلا عن تجربة العيش المشترك في كورفو، حمل عنوان :"عائلتي وحيوانات أخرى".
كان لورنس يكتب ونانسي ترسم. وكان ذلك أقصى ما يمكن أن يحلم به فنانان. وتشير المؤلفة الى أنه، إذا كانت العادة، في مثل تلك الظروف، هي أن يشجع كل فنان الآخر كي يعمل أكثر وأفضل، فإن الأمر لم يكن كذلك بين لورنس ونانسي. وذلك لأن تلك الشراكة لم تعمل في صالح المرأة. وكان على نانسي أن تهتم أكثر، بالأعمال المنزلية.
وتفتح المؤلفة في هذا السياق، قوسين، لتتحدث عن الأثر الإيجابي الذي لعبه الكاتب الأميركي هنري ميلر في تشجيع نانسي، على العمل الفني. وكانت تربط لورنس دوريل وهنري ميلر علاقة وثيقة، بدأت إثر رسالة كتبها دوريل في عام 1934 إلى ميلر، بعد قراءة روايته الشهيرة "مدار السرطان"، لتبدأ صداقة استمرت 45 عاما بين الرجلين. ولكنها كانت باستمرار، نوعا من التعبير عن علاقة المعلّم بالطالب.
وتشير جوانا هودكين إلى أن هنري ميلر، ذهب برفقة عشيقته، الكاتبة اناييس فين، لزيارة أسرة دوريل. وكان الكتّاب الثلاثة دوريل وهيلر ونين، يتبادلون باستمرار الحديث فيما بينهم، بينما كان على نانسي، أن تلوذ بالصمت. وإذا حدث وتفوّهت بأية كلمة فإن لورنس كان لها بالمرصاد، كي يقمعها. والاعتراف بمواهبها في الرسم، جاء فقط من قبل ميلر، ما شكل عزاء حقيقيا لها. والتأكيد على أنها كانت تحمل له الكثير من المودّة والاحترام.
ورغم العواصف الكثيرة التي عرفتها الحياة الزوجية للورنس دوريل ونانسي، فإن المؤلفة تتحدث بكثير من الحماس عن المغامرة التي قررا عيشها، عندما هربا من أتون الحرب العالمية الثانية، للإقامة في جزيرة كوفرو، ثم مغامرة الذهاب إلى مصر، بعد نهاية تلك الحرب. وكانت نانسي دائما، من عشّاق البحر والشمس. وهكذا شاعت عنها أسطورة، أنها عروس بحر صامتة.
ومن القواعد لتي تؤكد عليها المؤلفة، أنه من الصعب غالبا الزواج من كاتب. لكن المسألة تغدو أكثر صعوبة، عندما يكون ذلك الكاتب متعصّبا للرجال وعنيفا، على غرار لورنس دوريل، حيث ان حياتهما كانت بمثابة كابوس حقيقي. وترى جوانا هودكين، أن السر الأكبر، وربما الوحيد، في زواج لورنس ونانسي، ليس كون أنه انتهى إلى الانفصال، ولكن بالأحرى، كيف استمرّ طيلة سنوات؟
وما سهل حياتهما في البداية، كون نانسي ورثت ثروة كبيرة من جدها، وكان لورنس يتقاضى مرتبا جيدا. ولكن المؤلفة تؤكد أن توفّر الإمكانات المادية، لم يمنعهما من متابعة نمط حياة بوهيمي. ومع ذلك، في الوقت الذي كان يحاول فيه لورنس كتابة روايته الأولى، كانت نانسي تطهو الطعام. ووصل اضطهاده لها في بعض الأحيان، إلى حد القول انه تزوجها، تلبية لرغبة أمه، وجزئيا، من أجل السفر بأسعار مخفضة، يستفيد منها المتزوجون الشباب. وعندما وُلدت طفلتهما الوحيدة:(بنلوبي)، عام 1940، اكتفى لورنس، بالشكوى من صعوبة كسب ما يؤمن العيش.
لم يكن الاستمرار في الحياة المشتركة ممكناً، فكان الانفصال عام 1942. تزوج لورنس دوريل بعدها، ثلاث مرات، بينما تزوجت نانسي من صحافي بريطاني، أنجبت منه جوانا هودكين، مؤلفة هذا الكتاب.
والكتاب يمثل شهادة من ابنة، تكريما لوالدتها، بالاعتماد على مذكرات كانت الأم قد بدأتها على أحاديثهما المشتركة. وقبل كل شيء، كتاب عن الحياة في إطار فني- أدبي.
تنقل المؤلفة، عن أولئك الذين عرفوا نانسي ولورنس عندما كانا في أوج علاقتهما، أنهم يذكرون من نانسي، أمرين محددين، وهما جمالها وصمتها. وشبهوها آنذاك، بـ: الغزالة والشعلة الزرقاء واللبؤة. والوحيد لورنس كان يصفها بمصباح الطاولة. كانا قد التقيا وهما في سن العشرين حيث كانت نانسي لا تفقه شيئا من حياة العواطف. وأبدى لها لورنس أو لاري حسب تسميته، الشائعة آنذاك، أنه يملك قلب طفل وبحاجة إلى الحنان الذي تطوعت بتقديمه له. وأخذت، بمعنى ما، صورة الأم.
الكتاب: هواة في فردوس عدن.. قصة زواج بوهيمي
تأليف: جوانا هودكين
الناشر: فيراغو برس لندن- 2012
الصفحات: 352 صفحة
القطع : المتوسط
Amateurs in eden
Joanna Hodgkin
Virago Press- London - 2012
352 .p
