توفي الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي لوسيان جيرفانيون، في شهر سبتمبر الماضي، وهو في التسعين من عمره. ومن ما خلفه كتاب تحت عنوان: "تعرّف على نفسك وافعل ما تحب".
هذا الكتاب هو مجموعة من المقالات والدراسات التي كان لوسيان جيرفانيون، قد كتبها خلال السنوات الأخيرة من حياته. ويقدّم المؤلف نفسه على أنه: "مغامر ومخبر سرّي عن الفلسفة اليونانية وفلسفة العصر الوسيط".
ويقول في تعريف الثقافة ما يلي: "الثقافة بالنسبة لي، نوع من المصفاة ـ الفلترـ التي تسمح لي باستنشاق هواء الزمن الذي أعيش فيه. ولكن البشر هم اليوم على قناعة بأن التاريخ يبدأ عند ولادتهم، وهنا بالتحديد تكمن المشكلة".
ويشير المؤلف الى أنه أراد طيلة حياته، أن يكون بمثابة سفير يحمل الأفكار وينقلها من جيل إلى آخر، ومن حضارة إلى أخرى، مؤكداً في جميع الحالات مدى الأهمية القصوى التي تتحلى بها الفلسفات اليونانية والرومانية القديمة، بالنسبة للغرب الأوروبي خاصة، وللعالم الغربي عامة.
ولكن مؤلف الكتاب لا يقصر كتاباته وتفاسيره على العالم القديم والفلسفات القديمة، بل يولي اهتمامه، كما تدل محتويات الكتاب، لقضايا عصره، وذلك عندما يتحدث عن أفلام سينمائية شاهدها. كما يناقش الأفكار التي تتعرّض لها الحضارة الغربية، على خلفية اعتقادها بأنها خالدة، وبتفوقها الأبدي، ولا يتردد في أن يتهكّم من الجو التشاؤمي المحيط، الذي يشدّ الجميع إلى الوراء.
ومن السمات الأكثر أهمية بالنسبة للبشر، هناك القدرة على شد انتباه الآخرين. وهذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول: " إن التمكن من الحديث أمام الجمهور، لا يعني التعبير بطلاقة فحسب، ولكن أيضاً وخاصة جعل أفكاره تحظى باهتمام شديد وقبول الحجج الموجّهة للسامعين، بحيث تكون في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب. وليس هناك فضيلة أكثر إغريقية من تحديد اللحظة المناسبة".
ويحدد المؤلف، في معرض حديثه عن الفكرة السائدة القائلة بأن ما مضى كان أفضل، ما مفاده أنه منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة، كتب المبدعون والمفكرون، جميعهم تقريباً، وفي كل الحقب، أشياء سلبية حيال الحب والأسرة والسياسة والسياسيين والفلسفة والمعتقدات. وما عليكم سوى أن تقرؤوا سوفوكليس وهوميروس ودانتي وفينيلون وشاتوبريان وهوغو ومورياك وسيوران، وغيرهم. ومن كانوا شهوداً على القرن الذي عاشوا فيه. والتعرّف من خلالهم جميعاً، على الشروع بفكر فلسفي متشائم، امتدّ عبر العصور. إنهم يعلنون جميعهم، غضبهم حيال ما كان يحيط بهم.
ولا يتحدث المؤلف فقط عن نزعة التشاؤم التي سادت في جميع العصور، ولكنه يؤكد أن حماقات كبرى قد جرى اقترافها عبر القرون. ومن خلال المزج بين الفلسفة والتاريخ، ويخلص المؤلف، إلى البرهان على القول إن الفلاسفة، والرومانيين لعبوا دوراً سياسياً حقيقياً وفعالاً، في المحيط الذي عاشوا فيه.
والملفت للانتباه، أن مؤلف الكتاب يتحدث عن أكثر القضايا والمواضيع جدية، بكثير من الطرافة.ومن خلال الماضي ورجال الماضي الكبار، يتحدث المؤلف عن ظواهر راهنة. وهكذا يشير إلى كلمة كان قد قالها بترون منذ القرن الأول الميلادي، ومفادها: "للأسف، للأسف، إن الأمور اليوم تسود أكثر فأكثر.
ولم يعد هناك من يتمسّك بالثوابت .. وكل البشر يضعون عصابات على عيونهم، ولا يفعلون سوى تعداد ما يملكون من مال. ثم نقرأ أن جوفينال، يذهب أبعد من ذلك، عندما يقول: "إن قيمة عرقنا الإنساني تنخفض منذ زمن هوميروس، والأرض لم تعد تغذي سوى جمع من الأشرار". وحيال الشباب، ينقل المؤلف ما مفاده: "لقد أصبح الشباب حكماء فجأة، وأصبحوا يعرفون كل شيء. وهم لا يُظهرون الاحترام لأحد، ولا يقلّدون أحداً، وهم يمثلون بالنسبة لأنفسهم، النموذج الذي يحتذون به".
إن المؤلف يجد مرجعياته لدى الفلاسفة القدماء وفي تاريخ اليونان والرومان، ووصولاً إلى الفكر المسيحي. ولكنه يبحث في جميع هذه المواضيع، من خلال منظار العصر.
وهكذا يتساءل مثلاً، في إحدى مقالاته: "هل كان هناك رجال شرطة في الإمبراطورية الرومانية؟". وتحت عنوان: "رجال شرطة أو مخبرين سريين في ظل حكم يوليوس قيصر"، يطرح المؤلف ما مفاده: "انزعوا من الولايات المتحدة الهاتف، وجددوا السرعة القصوى للسيارات بسرعة حصان، وصادروا عدسات التصوير، واستبعدوا كل أشكال الإنارة.
وفي مثل هذه الشروط، هل سيكون مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي ـ اف.بي.آي ـ أكثر كفاءة من الحرس البابوي في الفاتيكان؟". ومن خلال التعرض لأعمال فنية وسينمائية، مثل التي أنجزها ريدلي سكوت واوليفر ستون واليخاندرو امينابار، يُبدي المؤلف رفضه الكامل لما أسماه "التخلّي عن حرية التعبير وحرية القول". وهذا إلى جانب رفضه الكامل للوقوع تحت وطأة نزعة التشاؤم السائدة، باسم أن الماضي كان أفضل.
ولا ينسى المؤلف التذكير بأن البشر لم يولدوا كي يعيشوا زمناً طويلاً، فأيام الحياة معدودة. ولذلك يؤكد على أهمية القاعدة القائلة: "تعرّف على نفسك، وافعل ما تحب". وهذا هو بالتحديد عنوان الكتاب.
الكتاب: تعرّف على نفسك، وافعل ما تحب
تأليف: لوسيان جيرفانيون
الناشر: البان ميشيل باريس 2011
الصفحات: 376 صفحة
القطع : المتوسط
Connais-toi toi-mêmeة et fais ce que tu aimes
Lucien Jerphagnion
Albin Michel - Paris- 2011
376 .p
