قرأنا الكثير عن رحلات ماركو بولو إلى الصين، ولكن ماذا لو لم تكن قدماه قد وطأتا أرض تلك البلاد؟ إن مثل هذه الفرضية يطرحها الأستاذ الجامعي الفرنسي بيير بايار، في كتاب صدر له قبل أسابيع قليلة، تحت عنوان: «كيف نتحدث عن أمكنة لم نزرها؟».
يعود مؤلف الكتاب للحديث عن أسفار ماركو بولو وكُثر غيره، مثل بليز ساندارس الذي تحدث كثيرا عن رحلته عبر ما يزيد على 9000 كيلومتر في سيبيريا بروسيا، انطلاقا من موسكو حتى فلاديفوستوك. ولكن يبدو أن كل ما كتبه خرج من مخيلته. ثم إن جول فيرن، كان قد زعم قيامه برحلة حول العالم في 80 يوما.
وهؤلاء جميعهم لم يزوروا الأمكنة التي كتبوا عنها، كما يشير مؤلف الكتاب. يوضح المؤلف أنه لن يتوقف طويلا عند الحديث عن مسالب الأسفار التي ذكرها كُثر. ويكتفي بالقول إن الجسد الإنساني الضعيف أمام الحيوانات المتوحشة وتبدلات المناخ والأمراض والأوبئة، ليس مهيئا لترك منطق إقامته التقليدي، خاصة إلى الأراضي البعيدة عن تلك التي شهدت ولادة الانسان.
ويضيف المؤلف إلى العوامل الشخصية، واقع أن العالم أصبح أقل أمانا مما كان عليه من قبل، ذلك بسبب العنف الإنساني نفسه. ويتساءل المؤلف في هذا السياق، عن ما يمكن أن يدفعه هو نفسه، والذي يعيش في مكان آمن نسبيا، كي يتركه مع كل ما يحمل ذلك من أوجه المخاطرة بتلقي ضربة سيئة، في أراض معادية. وفضلا عن الأذى المادي والجسدي الذي قد يلحق بالمسافر، هناك أيضا أشكال الاضطراب النفسي التي قد تترتب عليه، وبالاعتماد على المعلومات المستقاة من فرويد ونظرياته حول الأعراض التي تظهر على المسافر، يصل المؤلف إلى القول انه يمكن للسفر أن يقود إلى الجنون.
تلك الأسباب المقدّمة سابقا ليست هي السبب الحاسم من أجل البقاء في المنزل. بل هناك دافع محدد هو الكامن وراء هذا الكتاب، كما يقول مؤلفه. والسبب هو أنه ليس هناك ما يسمح في الواقع، بالقول إن السفر الوسيلة الأفضل من أجل اكتشاف مدينة أو بلاد لا يعرفها الإنسان. فكل شيء يشير إلى عكس ذلك، وأفضل طريقة للحديث عن مكان ما، البقاء في المنزل. وما يبينه المؤلف هو أن مثل هذه الحقيقة، أكّدها قبله، كتّاب ومبدعون كُثر.
ومن أبيات الشعر التي كتبها شارل بودلير صاحب ديوان أزهار الشر الشهير، يذكر المؤلف احد الابيات: كم هي مريرة المعرفة التي نجنيها من السفر. وهو بيت من قصيدة فيه، هي نفسه بعنوان السفر، وأطروحتها الرئيسية هي أن لقاء البلدان الأجنبية لا يولّد سوى الضيق، ويترك المسافر في مواجهة الفراغ المقلق. وأما عن قناعة المؤلف، فإنها تختلف عن أطروحة بودلير. فهو يقول: جميع البلدان والثقافات التي أتيحت لي فرصة التعرّف عليها، زادت من ثرائي، ولم أندم أبدا على ما أبديته من اهتمام بها.
ويؤكد بيير بايار أن الأماكن الأخرى تسهم في زيادة المعرفة لصاحب كل عقل منفتح. وهو يولي اهتمامه الأول لأولئك الكتاب الذين وصفوا بدقة متناهية، الأماكن التي لم يذهبوا إليها أبدا. كما استطاعوا، عبر قوّة وعمق الكلمات التي يكتبون فيها، أن يزيدوا من حضور تلك الأماكن، وأن يفعلوا ذلك بقدر أكبر جدا من اولئك الذين اعتقدوا أن السفر إلى الأماكن المعنية، ضرورة لا يمكن تجاوزها.
والأمر لا يتعلق بالكتّاب وحدهم، إذ هناك صحافيون ورياضيون وباحثون في مجال تطور المجتمعات الإنسانية، وجدوا أنفسهم في لحظة ما من حياتهم، بصدد وصف أمكنة لم يذهبوا إليها أبدا، ذلك لأسباب متعددة مثل: الخشية من خطر. أو على خلفية الإحساس بأن سفرهم إليها لن يقدّم اليهم شيئا. ومن ثم هناك توصيفات للأمكنة التي تدفع إليها ضرورات الحديث عن الأوضاع التي يعيشها المعنيون فيها، إذ يقدمون معلومات كاذبة عن الأماكن التي كانوا يتواجدون فيها، بغية الحفاظ على أمنهم أو على بقائهم نفسه.
ويطوّر المؤلف مسألة العلاقة بين الأدب والحيّز المكاني، ويرى ان التوصيف يوجد في صلب مهنة الأدب، حيث يجد الأديب نفسه مدفوعا إلى اختراع أمكنة ويكتب عنها في إطارها الجغرافي، ولكن بشكل مختلف جدا عما هي عليه، عمليا، في العلم الحقيقي. هذه الأفكار كلها يتعرض لها المؤلف أولا، من خلال التذكير بمختلف أنواع السفر الخيالي، والتي لجأ إليها كتاب ومفكرون لم يولوا أهمية كبرى للسفر إلى بلدان الثقافات الأخرى التي يرغبون الكتابة عنها، وبالتالي توصيفها. ثم يتعرّض لها عبر مجموعة من الأوضاع الملموسة والمعاشة التي يجد البشر أنفسهم مرغمين للحديث عنها، رغم أنهم لم يروها أبدا.
وفي المقام الثالث، يقدّم المؤلف مجموعة من النصائح، مأخوذة من تجربته الشخصية، إلى الراغبين في التعرّف على ثقافة أجنبية ما، ويبين لهم أنه ليس باجتياز العالم بما فيه من مخاطر، ستكون الفرصة أكبر، من أجل زيادة معينهم من الفكر والثقافة.
وفي المحصلة العامة ينطلق المؤلف من أوضاع يعرفها البشر في حياتهم اليومية، لتبيان حقيقة أن الجهل الجزئي أو الكلّي لموضوع ما، لا يعني بالضرورة عدم القدرة على النقاش فيه وبكل جدارة. بل لعل هذا السبيل الأفضل لمعرفة العالم. وهكذا يسوق المؤلف خلاصات فكرية معرفية نوعية، من خلال أسماء شهيرة، مثل: ماركو بولو وكريستوف كولومبس وفاسكو دي غاما، تقترن بالمغامرة واكتشاف عوالم مجهولة، مفيدا وملمحا إلى انه ربما لم تطأها أقدامهم، أو لم تطأها إلا قليلا.
الكتاب: كيف نتحدث عن أمكنة لم نزرها؟
تأليف: بيير بايار
الناشر: مينوي، باريس 2012
الصفحات: 158 صفحة
القطع: المتوسط
Comment parler des lieux où lصon nصa pas été
Pierre Bayard
Minuit - Paris- 2012
158 .p
