تعددت النظريات القائلة ان العولمة ستجلب السعادة والازدهار للعدد الأكبر من البشر. ولكن الواقع يقول شيئاً آخر، بالنسبة للملايين من أبناء الطبقة الوسطى، والذين جرى إفقارهم، بشكل بطيء ولكنه أكيد.
إن الصحافي والباحث الاقتصادي الفرنسي جان ميشيل كونتربوان، يشرح كيف أن المبالغة في إعطاء الاقتصاد طابعاً مالياً، أدى إلى قيام تحالف مناقض للطبيعة، بين الشركات متعددة الجنسيات ورأس المال الدولي والصين. كما يعرب المؤلف عن خشيته من أن يؤدي هذا الوضع إلى كارثة عالمية.
إن هذه المسائل كلها يعالجها جان ميشيل كاتربوان في كتاب يحمل عنوان: "هل ينبغي الموت من أجل اليوان". واليوان هو العملة الصينية. واختار المؤلف لهذا العمل، عنواناً فرعياً مثيراً، وهو: "كيف يمكن تجنّب حرب عالمية ثالثة"؟ ولكن الإثارة تتضاءل عندما يُعرف أن المقصود هو حرب العملات، والتي بدأت فعلياً.
ويبين جان ميشيل كاتربوان، أن الصين تريد بكل بساطة، شراء العالم. وذلك من أجل تحقيق غاية محددة، وهي وضع حد نهائي لقرن كامل من الإذلال. ويضيف المؤلف ان الصين تريد بعد أجل، أن يحل اليوان بدلاً من الدولار، كعملة عالمية للتبادل.
ويؤكد المؤلف ان الصين ستطبّق على أوروبا القديمة، المعاملة التي طبّقتها على القارة الأفريقية، نفسها. ومن ثم، فإنه إذا كانت وول ستريت ولندن، لا تزالان تسيطران على عالم المال حالياً، فإن مثل هذه السيطرة لن تدوم طويلاً بعد اليوم، ذلك أن الطموحات الصينية لا حدود لها أيضاً، على هذا الصعيد.
وبناءً على الواقع الاقتصادي الراهن، السائد في العالم، يرى المؤلف أنه ينبغي على أوروبا التأقلم مع فعل انحدر. وذلك أنه في الوقت الذي تتأرجح فيه الولايات المتحدة، وبينما تقوم الصين وغيرها من البلدان الصاعدة، بإغراق أسواق أوروبا بمنتجاتها ذات الثمن الزهيد، وسيكون محتّماً على القارة القديمة، البحث عن أفق. النتيجة المباشرة المترتبة على التحول في المشهد الحالي العالمي، وهو أنه بعد الازدهار الصناعي والتكنولوجي للصين سيتحوّل مركز ثقل العالم، من الغرب نحو الشرق.
وتدلّ الإحصاءات المقدمة في هذا السياق، أن البنوك السويسرية فقدت بعض حصصها في الأسواق العالمية، لصالح بنوك سنغافورة. وفي الوقت نفسه، بدأت رؤوس الأموال الغربية الهجرة نحو فضاءات أكثر تساهلاً، على صعيد الضرائب، وحيث لا يملك الغرب أية سيطرة عليها. وبهذا المعنى يبدو أن سنغافورة، ذات العلاقة العضوية مع الصين، بصدد أن تصبح ملجأ رؤوس الأموال المهاجرة.
كما أن هونغ كونغ، التي عادت إلى السيادة الصينية، تسير في الطريق ذاتها، حيث تعمد بنوك الأعمال إلى نقل نشاطاتها إليها. وذلك لسبب بسيط، ويدرج المؤلف السبب بأن الأموال العائدة بأغلب الأحيان إلى الشركات الغربية الكبرى توجد هناك، أو التي تفضّل في ذلك الجزء من العالم، مما هو في أوروبا القديمة أو في الولايات المتحدة الأميركية.
ويشير المؤلـــف في تحليلاتـــه، إلى الاهتمـــام الذي توليــــه الصين لأوروبـــا الشرقيـــة خاصـــة، والقـــارة كلها عمومــــاً. وذلك على اعتبـــار أنهـــا سوقهــــا الخارجية رقــــم 1. ثم إنهــــا لا تبخل بتقديم المساعدات، وذلك ليس من موقع الحرص على المصلحة الأوروبية، ولكن بالأحرى من أجل إحداث شروخ في الجبهة المناهضة للعملة الصينية. ومن جهة أخرى كي لا تنفجر منطقة اليورو، وما يمكن أن يترتب على ذلك من سلسلة تخفيضات لقيمة العملات الأوروبية، مما سيؤثر على الصين نفسها.
ولا ينسى مؤلف الكتاب أن يتحدث في هذا الإطار، عن المنظومة الاقتصادية الأميركية المصابة بالشلل، بسبب قيمة الديون المترتبة على الولايات المتحدة، والتي تعادل ما نسبته 280 بالمائة من إجمالي دخلها الداخلي.
وإذا كان مؤلف الكتاب، يرى أن الصين بصدد تغيير القواعد المالية والاقتصادية العالمية، فإنه يولي اهتمامه بالدرجة الأولى من منظور تأثير ذلك على أوروبا عامة، وعلى فرنسا بشكل خاص. ويجد أن ألمانيا وبريطانيا وعدداً من البلدان الأوروبية الصغيرة، تدافع عن مصالحها بشراسة، في السياق الدولي الراهن، والذي يتطلّب التعبئة الحقيقية.
ولكنه يرى بالمقابل، أن فرنسا تدفع ثمناً غالياً إلى سرابها الأوروبي. ولكن أوروبا لم تتحوّل إلى القارة القوية. ووجهات النظر الفرنسية فيها لم تعد تحظى سوى بتأييد الأقلية. أما ألمانيا فلديها إستراتيجيتها، مثل الصين. وهما تتشابهان كثيراً، كما نقرأ.
ويتم توصيـــف الإستراتيجيتيـــن، الصينية والألمانية، على أساس أنهما تجاريتان وقديمتان وأنانيتان وفعّالتان، ذلك شريطة أن لا يمارسهما الآخرون في الوقت نفسه. ولذلك يقدّم المؤلف في الصفحات الأخيرة من الكتاب، رؤية لما يعتقد أنه السبيل الفعّال لنهوض فرنسا. ويؤكد ان الركائز الأساسية في هذه الرؤية، هي: العودة إلى التصنيع، تبنّي إستراتيجيته تجارية، إصلاح ضرائبي.
إن مستقبل فرنسا، كما يراه المؤلف، سيحدده تطور العالم الذي يقوم بتوصيفه جيداً. ويؤكد أنها تمتلك القدرات على تطوير نموذج اقتصادي واجتماعي خاص بها. وينهي تحليله بـشيء من التفاؤل.
الكتاب: هل ينبغي الموت من أجل الـ"يوان"؟
تأليف: جان ميشيل كاتربوان
الناشر: بودان- باريس- 2011
الصفحات: 279 صفحة
القطع: المتوسط
Mourir pour le yuan Jean-Michel Quatrepoint
Boutin- Paris- 2011
279 .p
