بعد أن قدّم الفيلسوف الألماني الشاب ريشار دافيد برشف، عملين عرفا رواجاً كبيراً ("من أنا"، "إذا كنت موجوداً ما هو ثمني؟")، تمتلئ رفوف المكتبات، حالياً، في العديد من البلدان الأوروبية، بنسخ كتاب جديد له، تحت عنوان "فن أن لا تكون أنانياً"، مع عنوان فرعي يقول: "من أجل منظومة أخلاقية مسؤولة".

الموضوع الأساسي لهذا الكتاب الجديد هو مفهوم الأخلاق في الغرب، من أفلاطون إلى موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية. ويبحث المؤلف في المفهوم، من خلال ثلاثة محاور أساسية، يتخصص الأول منها عنوان: "الخير والشر"، والثاني في "الإرادة والفعل"، وأما الثالث فيتناول العلاقة بين "الأخلاق والمجتمع".

ويرى المؤلف أن المجتمعات الغربية لا تعاني من أزمة اقتصادية ومن حالة قلق عام فحسب، ولكنها ملغومة من الداخل بوباء مرعب، وهو "اللامبالاة" العامة والمعممة. وهذا في ظل غياب كامل للمسؤولية، بالإضافة إلى مشاعر الاحتقار حيال الآخر. ولا يتردد المؤلف في القول ان نتائج مثل هذا الواقع مأساوية، وذلك على المستويات الإنسانية والمالية والبيئية. ويضع موضوعات وقضايا: السلوكيات غير المسؤولة واحتقار الآخر واللامبالاة، تحت عنوان عريض هو "الأنانية".

ثم يسأل المؤلف: كيف يمكن تجاوز الأنانية التي تدفعنا إليها ردود أفعال كثيرة؟ وكيف يمكن استعادة قيم مدّ يد العون للآخرين والتعامل معهم بحس حضاري كما يمكن أن يأمل الجميع؟ وفي معرض الإجابة عن هذا النمط من الأسئلة، يقدّم المؤلف مرافعة حقيقية - كما يقول - من أجل دفع قارئه إلى الالتزام بسلوك المواطنة الصحيحة والفعالة، في مجالات حماية البيئة، وكذلك في ميادين الاقتصاد والسياسة.

ويلفت المؤلف إلى أن فكرة تحرير الكتاب أتته على خلفية الغضب الذي أحس به بفعل الأزمة المالية العالمية التي انطلقت في الولايات المتحدة الأميركية، في خريف عام 2008، ثم امتدّت لتطال آثارها العالم كله.

الأزمة المالية العالمية هي، بنظر المؤلف، أزمة توجه عام في المجتمعات الغربية. ذلك أنه إذا بقيت السلطات العامة منشغلة فقط بمسألة زيادة النمو الاقتصادي على صعيد الدخل العام، فإنه ليس غريباً أن يبحث أرباب المصارف عن المال، إنها أولاً أزمة قيم، مما يستدعي بالضرورة، إعادة النظر في رؤية هذا الغرب للإنسان، ولمضامين الحياة المشتركة. كما يشدد المؤلف في هذا السياق، على ضرورة إعادة النظر في تقييم الغرب لمفهوم الرفاهية، السائد في مجتمعاته.

وعلى أساس معيار السعادة، يوضح المؤلف، أن الأخلاق، بمعنى ممارسة سلوك أخلاقي وإنساني حيال الآخرين، تعطي للإنسان قدراً من السعادة، أكبر مما تمنحه له الثروة. ويرى أنه ليس من الخطأ ما تردده فكرة شائعة، مفادها أن تقديم هوية يعطي الإحساس بالسعادة أكثر من تلقيها.

والبرهان على مثل هذه الفكرة، يأخذه المؤلف من إحصائية تقول نتائجها، ان متوسط مؤشر سعادة الألمان، لم يعد يزداد، منذ نهاية سنوات الستينات في القرن الماضي، وهذا في الوقت الذي ازداد فيه دخلهم أكثر بـ50 بالمائة مما كان عليه سابقاً. وكذلك تتم الإشارة إلى دراسة قام بها باحثان اقتصاديان حائزان على جائزة نوبل، هما جوزيف ستيغليتز وامارتيا سن، وتقول نتيجتها ان القيم الأخلاقية والتربية يعطيان من الرفاهية، أكثر من كل السلع التي يتم إنتاجها.

ويعيد المؤلف السلوك الشرير لدى البشر، إلى الوسط المحيط بهم. وكما يقال ان الإنسان يصبح ذئباً بين الذئاب وحملًا بين الحملان. وعندما يتصرف الآخرون بطريقة سيئة، يسود الإحساس لدى الشخص المقابل، أنه من المشروع التصرّف بالطريقة ذاتها. الإنسان بحاجة إلى احترامه والاعتراف به، كما يكتب المؤلف، مؤكداً بالوقت عينه، أن أغلبية البشر يشعرون بحاجة حيوية ملحّة، للاعتقاد بداخلهم، بأنهم جيّدون.

وهناك فكرة أساسية يؤكد عليها المؤلف، وهي أنه ينبغي تطوير قدرة البشر على انتهاج السلوك الجيدّ، الأخلاقي، عبر التربية والتقليد. كما ان التربية السيئة يمكنها أن تخنق الاستعدادات النظرية الحسنة. والمثال الذي يقدمه هو أن الطفل المدلل المعتاد على أن يتلقى المكافآت على ما يفعله، سيكون من الصعب عليه مستقبلاً أن يفعل أي شيء مجاناً. أما المال فإنه يساهم في خلق السعادة، عندما يكون وسيلة للحصول على الحاجات الضرورية الأساسية.

وبالمقابل يرى المؤلف، أن الخطأ الفادح للمجتمعات الغربية، هو اعتقادها بأنها يمكن أن تزيد من سعادة أبنائها، عبر زيادة رفاهيتهم المادية، فهذا ليس صحيحاً، إذ ان مجرد المقارنة مع ما يملكه الآخرون، أمر يولّد الإحساس بالحرمان وينتقص من السعادة.فما هو إذاً، دور المدرسة في نشر الأخلاق؟

 

 

الكتاب: فن أن لا تكون أنانياً

تأليف: ريشار دافيد برشت

الناشر: بلفوند- باريس- 2012

الصفحات: 480 صفحة

القطع: المتوسط

 

Lart de ne pas être égoïste

Richard David Precht

Belfond - Paris- 2012

480 .p