نالت المحامية الأسترالية آنا فوندر شهرة عالمية بعد صدور كتابها عن جهاز الاستخبارات الألماني الشرقي السابق، المعروف باسم "ستازي". وقد صدرت قبل فترة وجيزة "النسخة الأخيرة"، من هذا الكتاب، تحت عنوان: "بلاد جهاز أمن الدولة الألماني الشرقي السابق- ستازي"، مع عنوان فرعي: "قصص من خلف جدار برلين".
في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989 سقط جدار برلين الشهير، لتبدأ مسيرة إعادة توحيد الأمة الألمانية، الأمر الذي تحقق بعد فترة قصيرة. لقد انتهت ألمانيا الشرقية "الديمقراطية"، كما شاع توصيفها في زمن الشيوعية، ولكن مؤلفة الكتاب بلاد ستازي ترسم صورة عن الحياة اليومية الحقيقية للألمان الشرقيين في ظل النظام السابق.
إن القارئ يتعرّف على شخصية "مريام" تلك الفتاة التي حاولت أن تعبر جدار برلين الشهير، عندما كان عمرها 16 سنة فقط، بدافع رغبتها في الهرب من شرق ألمانيا إلى غربها. وكذلك تعود المؤلفة لحكاية "فرو بول" الذي كان الجدار يفصل بينه وبين طفله الصغير.
وشخصيات أخرى عديدة تبيّن كلها طبيعة النظام الألماني الشرقي السابق، الذي كان يتأرجح بين ما يثير الرعب وما يثير السخرية، كما نقرأ. وتشبّه المؤلفة ممارسات ذلك النظام بـ"كوابيس جورج اورويل"، أي كوابيس العالم الذي تخيّله الكاتب البريطاني الشهير في أعماله، وخاصة روايته "1984".
مع الإشارة إلى أن عنوان الكتاب عن "بلاد ستازي"، يحيل إلى كتاب "أليس في بلاد العجائب"، مع استبدال التصرفات الغرائزية والغريبة لشخوص عالم "أليس"، بتصرفات مجموعة من البيروقراطيين العجائز والجواسيس الذين كانوا يرصدون كل حركات البشر وسلوكياتهم.
والمؤلفة تذهب في توصيفها إلى ما كان يجري، بأدق التفاصيل وأكثرها حميمية. وتشير المؤلفة إلى أنها من خلال إعلان نشرته في إحدى الصحف، استطاعت "تنظيم لقاءات" مع مجموعة من عناصر جهاز أمن الدولة الألماني الشرقي السابق.
كان في عدادهم: هاجن كوش، الذي جعل من مكان سكنه الحالي "متحفاً للنظام القديم"، إذ غطّى الجدران بالذكريات التي من بينها اللباس الرسمي لضابط من ضباط النخبة في جهاز ستازي. وتشرح المؤلفة أن كوش كان مواطناً مثالياً ساهم في تحديد موقع جدار برلين، لكن ذلك لم يمنع أنه استاء كثيراً من تدخل رؤسائه بمسألة زواجه.
وكان النجاح في أي شيء بألمانيا الشرقية، من القبول بالجامعة، وحتى الانتساب إلى نادي رياضي ومروراً بممارسة مهنة المحاماة أو الدخول في سلك رجال الكنيسة أو الزواج من أجنبي أو أجنبية، يتطلب التعامل مع جهاز أمن الدولة. وباختصار كان تجنّب الاتصال مع النظام يعني الدخول في هجرة داخلية.
ونفهم من المعلومات المقدمة في الكتاب، أن قادة النظام والحزب الألماني الشرقي كانوا من "الماركسيين-الستالينيين" العجائز. في مواجهة شراسة ممارسات جهاز أمن الدولة الألماني الشرقي السابق "ستازي"، ترسم المؤلفة صورة لبعض "الأبطال" الذين قاوموا ذلك الاستبداد. وفي مقدمة هؤلاء نماذج مثل "مريام" وزوجها "شارلي" الذي اغتالوه.
فلقد كان عمرها 16 سنة عندما حاولت اجتياز جدار برلين، فخضعت للتحقيق والسجن طيلة أيام. وانتهت ألمانيا الشرقية بعد انهيار جدار برلين، لكنها لا تزال تعيش معها في الشقة ذاتها. وبالمقابل تشير إلى أن جميع أولئك الذين تحدثوا معها من عناصر جهاز أمن الدولة الألماني الشرقي السابق، ظهروا "فخورين" بعملهم السابق، وأنهم "لا يزالون على قناعة كاملة أن نظامهم هو الأفضل".
وفي هذا الكتاب، تؤكد المؤلفة أن الألمان الشرقيين لا يزالون يعانون من أعراض وجود: "جدار في الرأس"، والذي لا يزال كابحاً لتطوّر المنطقة. ذلك بمعنى أن الخوف من النظام السابق لم يختف. ثم إن قدامى قادة الحزب الشيوعي الألماني الشرقي، وقدامى جهاز ستازي حافظوا على اللقاء، بينهم أكثر من ضحاياهم. وهكذا لم يترددوا مثلاً في طلب تدمير السجن السابق، بدلاً من تحويله إلى متحف للذاكرة.
ويصرّون على أن نزلاءه لم يكونوا من المعتقلين السياسيين، بل من عتاة المجرمين. أما الضحايا فهم يناضلون من أجل الحصول على حقوقهم، من تعويضات وغيرها. والحنين الذي يبديه كثير من الألمان الشرقيين للنظام السابق، تجده مؤلفة الكتاب تعبيراً واضحاً عن التوتر الأبدي، القائم على خلفية الاختيار بين الحرية والأمن. ودعوة لـ"رحلة" في دهاليز جهاز أمن الدولة الألماني الشرقي السابق، وإلى تلك الحقبة التي لا تزال ماثلة وطريّة في الأذهان.
الكتاب: بلاد جهاز أمن الدولة الألماني الشرقي السابق ستازي، قصص من خلف جدران برلين
تأليف: آنا فوندر
الناشر: هاربر بيرنيال لندن سيدني 2011
الصفحات: 307 صفحات
القطع: المتوسط
Stasiland : stories from behind the Berlin wall
Anna Funder
Harper Perrinial- London- 2011
307 p.
