يبين كتاب «الغرابة.. المفهوم وتجلياته في الأدب»، لمؤلفه الدكتور شاكر عبد الحميد، أنه تبدو «الغرابة» في دلالاتها المباشرة ضد «الألفة»، كما تبدو حالة من القلق، وما بين الوعي وغيابه.. وربما حالة بين الخوف والرهبة والتشويق والمتعة والتذكر والرعب والتخيل.. ولعلها نوع من الخيال، خيال الوحشة، وليس خيال التفاؤل.
ويوضح المؤلف ان جوهر الغرابة يكمن في الحياة، وفي الفن والأدب، كل ما هو ضد الأمن والألفة والفرح، ويعد غريباً. والأكثر غرابة، أن تتحول الأشياء التي ينبغي النظر إليها على أنها غريبة، إلى أشياء عادية ومألوفة (كما في قصص كافكا).. وكما تتحول السكنى في المقابر إلى أمر مألوف. لتصبح الغرابة مؤطرة في نوعين: غرابة المألوف وغرابة غير المألوف.
ويشيرشاكر عبد الحميد الى ان الخوف عنصر أساسي في حدوث الغرابة، إذ قد يدهم البعض على أنه شيء على وشك الوقوع، وقد لا يقع، أو يقع. ويرى أن «الغرابة» ليست مصطلحاً آحادي البعد، أو بسيطاً، بل على العكس، هو مركب ومتعدد الدلالات، ومن معانيه: حضور الموت في الحياة، وعودة المكبوت (قال هذه الفكرة فرويد) وهي الأفكار والانفعالات التي اعتقدنا أننا تجاوزناها، لكنها تظهر..
وغيرها من المعاني للغرابة. وعلى تعدد المعاني اللغوية التي أوردها عبد الحميد، قد عرض للمعنى في كتابات «فرويد» الذي استعرض معاني الكلمة في لغات شتى، من الألمانية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية وفي العربية، وهو يخلص إلى أن الكلمة قد أصبحت ثنائية الطابع، أو تبدو متناقضة وجدانياً ومعرفياً، وتبدو ذات صلة بكلمة «بيت» أو «منزل».. وكذلك ذات صلة بالغربة والاغتراب والبعد عن المألوف والمنزل.
ويوضح المؤلف ان الغرابة في اللغة العربية تحديداً، تبدو وكانها أفردت لتكون في مضمون ابحاث التراث: غريب الألفاظ. وعرفها قاموس «لسان العرب»: «الغريب هو البعيد عن أرضه، وعن ناسه»، وقد قالت العرب: «أصابه سهم غرب، أي لا يدرى راميه»، «اغترب فلان أي تزوج من غير أقاربه».
ويتابع المؤلف، مبيناً ان الغربة، هي النزوح عن الوطن والاغتراب والتغريب. ويوضح أن الغرباء تعني الأباعد، وفرس غرب أي كثير العدو، وأغرب الرجل أي اسود وجهه من مرض أو غيره. واستغرب الدمع أي سال، والإغراب أي كثرة المال وحسن الحال. ويؤكد عبد الحميد ان المعنى (في العربية)، جمع بين الحدة في النشاط والتمادي والماء والدمع الغزير واسوداد اللون، وكثرة أو اشتداد الضحك أو المرض أو الكلام أو اللون: أسود أو أبيض أو أحمر.
ويبين عبد الحميد انه على الرغم مما قال به فرويد من كون الغرابة مصطلحا غير قابل للتحديد أو التعريف الدقيق، فهناك من قال ببعض الخصائص، مثل: الغرابة إحساس حياتي وإحساس جمالي، أي خبرة حياتية وجمالية تتعلق بالانفعال بوجود شي ء غريب ومخيف وغير مألوف، وقد يثير الرعدة والرعب.
كما يمكن أن يوجد في الأعمال الفنية والأدبية. كما اننا نشعر بالغرابة في المواقف التي تبدو جديدة، ولكنها في الحقيقة، ولأنها تذكرنا بمواقف في الماضي، كانت مألوفة. وكأن مواقف الغرابة أشبه بالعودة إلى مواقف قديمة مألوفة كتبت أو نسيت عمداً.
ويشير المؤلف إلى انه ترتبط الغرابة بالتكرار، والمقصود تكرار المشاعر والمواقف والأفكار، ويكون التكرار هذا لاإرادياً في الاغتراب. وكذلك فإن الشعور بالغرابة يبدو محتملاً في المواقف المألوفة والواقعية. وفي الأدب يمكن أن ترسم مؤثرات مختلفة يكون فيها الشعور بالغرابة أقوى مما هو في الواقع. وايضاً من الممكن إثارة الإحساس بالغرابة من خلال بعض الموضوعات، مثل: تماثيل الشمع، المومياء، الروبوت، الظلال، المرايا.
وكثيراً ما تتجسد فكرة الغرابة من خلال فكرة القرين، عبر توحد الذات مع شخص آخر. وأما الغرابة في الأدب تحديداً، فهي بسبب القلق من فقدان شيء أو شخص عزيز. وهو ما يعني ارتباط الغرابة بالخوف. وهي كذلك مرتبطة بظاهرة القرين في جانب تفكك الذات وانقسامها، بسبب الخوف أيضا.
الكتاب: «الغرابة.. المفهوم وتجلياته في الأدب»
تأليف: د. شاكر عبد الحميد
الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- «عالم المعرفة» 2012
الصفحات: 360 صفحة
القطع: المتوسط
