يرصد كتاب "في حضرة نجيب محفوظ" للكاتب المصري محمد سلماوي، مضمون مجموعة من المقابلات والحوارات والمواقف للاديب الراحل نجيب محفوظ .
ويقدم سلماوي، في الباب الأول، عددًا غير قليل من مقابلات نجيب محفوظ مع الكتّاب والمبعوثين الأجانب الذين جاؤوا لزيارته في منزله، في تمام السادسة من مساء كل يوم سبت، ذاك اليوم الذي خصصه محفوظ أسبوعيًا للأديب محمد سلماوي؛ كي يجري معه حوارًا حول نقطة معينة جديدة؛ لينشر في جريدة الأهرام، بدلاً من عمود الرأي الخاص به، والذي لم يعد قادرًا على كتابته.
ومع الوقت تحوّل سلماوي إلى نائب نجيب محفوظ في تلقي طلبات الشخصيات العربية والأجنبية التي تودّ زيارته، وعرض الأمر على محفوظ الذي كان يرد: "إبقى هاتهم معاك يوم السبت"! فإن لم يتح للضيف لقاءه في هذا اليوم، كان البديل هو أحد مواعيد نجيب محفوظ الثابتة على جدوله.
والذي كان مرتبًا بدقة متناهية، ففي مساء أيام الآحاد كان يلتقي بمجموعة من الأصدقاء في فندق "شبرد"، تضم الدكتور محمد الكفراوي وعلي سالم وإبراهيم عبد العزيز، وفي مساء أيام الثلاثاء كان يلتقي بكل من جمال الغيطاني ويوسف القعيد وعبد الرحمن الأبنودي، في باخرة "فرح بوت" على نيل الجيزة.
وأما من فاته هذا وذاك فكان بإمكانه اللحاق بجلسة يوم الجمعة التي كان يرتبها الدكتور يحيى الرخاوي مع مجموعات من الشباب من مريديه، بينما كان يوم الخميس للحرافيش، وهم: المخرج الكبير توفيق صالح، عادل كامل، أحمد زكي مخلوف، محمد عفيفي، أمين الذهبي، الممثل أحمد مظهر.ويفيد سلماوي بأنه تم معظم تكريمات نجيب محفوظ في بيته الواقع على النيل في حي العجوزة، هناك وفي شتاء 2001 زاره رئيس وزراء إسبانيا خوسيه ماريا أثنار وزوجته؛ ليقوما بتقليده أرفع وسام أدبي في إسبانيا.
وتكرر هذا حين كسر القاعدة ونال وسام الفنون والآداب بدرجة قائد في بيته، بينما ينص قانون الجائزة على أن ينالها المكرم إما في فرنسا أو سفارتها الموجودة في بلد المكرم، أما أن يجري التكريم في منزل المكرم نفسه، فتلك كانت المرة الأولى، حتى جائزة نوبل لم يتسلمها بنفسه، وإنما أرسل عنه ابنتيه والكاتب محمد سلماوي ليتحدث عنه.
ويوضح مؤلف الكتاب، انه توجه ستوري آلين، السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، في لقائه مع محفوظ، بالشكر إلى اديب نوبل لقبوله جائزة نوبل، وقال له:" لقد صححت بذلك وضعًا كان خاطئًا، فعدم منح الجائزة لأي أديب عربي طوال عمر الجائزة، يمكن أن يمس مصداقيتها...".
ويبين سلماوي أيضا ان نادين جورديمر، الكاتبة الجنوب أفريقية العجوز الحائزة نوبل، اشترطت كي تزور مصر عام 2005 أن يتم ترتيب زيارة لها مع نجيب محفوظ، وقد كانت المقابلة في بيت محفوظ، حيث أهداها كتابه الجديد آنذاك والمترجم إلى الإنجليزية "أحلام فترة النقاهة".
وثمة الكثير من المعلومات التي قد لا نعرفها عن نجيب محفوظ، تنقلها لنا صفحات هذا الكتاب، من بينها أنه عقب حصوله على جائزة نوبل، قام بتقسيم قيمتها بينه وبين زوجته وكريمتيه بالتساوي، حسب الشرع الإسلامي، ثم تبرّع بالجزء الخاص به بالكامل إلى مرضى الفشل الكلوي الذين يعيشون على عمليات غسيل الكلى.
وهي مكلفة جدا في مصر. وفي أحد حواراته مع محمد حسنين هيكل، قال محفوظ: "ليس هناك ما يقال للشباب سوى الاعتذار، إننا لم نوفهم حقهم حتى يصبح بإمكاننا اليوم نصحهم، لقد قدمنا لهم نظامًا تعليميًا بائسًا وإعلامًا حكوميًا ساذجًا، وبعد طول معاناة مع التعليم، والتنشئة أخرجناهم إلى حياة البطالة القاسية.. إني أخجل من ذلك".
وواحدة من الهدايا القيمة التي يهديها سلماوي إلى قراءه في كتابه، هو ذلك الحوار الذي ينشر للمرة الأولى، حول الكتب في حياة محفوظ، بين القراءة والكتابة، وفي هذا الحوار يستعيد محفوظ الكتاب الأول الذي قرأه في طفولته، بين عامي 1922 و1923 في المدرسة الابتدائية، والذي استعاره من صديقه يحيى صقر.
وكان رواية بوليسية مترجمة من سلسلة "ابن جونسون"، ويقول عنها: "أحمد الله أنها لم تكن كتابًا في علم الحشرات، ربما تشكل مستقبلي بطريقة أخرى، أما محطتي الثانية فكانت حين تعرفت إلى المنفلوطي لأول مرة، فانقلبت معي القراءة إلى مسألة جدٍ وليس مجرد تسلية، ما جعلني أترك القسم العلمي وحبي للرياضة وأتوجه للقسم الأدبي.
حيث تخصصت في الفلسفة؛ نظرًا إلى حبي الشديد للأدب، وقد تابعت بشغف أعمال كل من العقاد، وطه حسين، والمازني، ومحمد حسين هيكل، قبل توفيق الحكيم، ويحيى حقي".ويطلعنا سلماوي على كامل توصيفات وسرد محفوظ حول مشوار حياته وإبداعه، على لسانه: "كنت أنشر قصصي ومقالاتي بلا مقابل.
وكانت المرة الأولى التي أتقاضى فيها مرتبًا من مجلة "الثقافة"، وكان قدره جنيهًا، فقمت بدعوة شلة العباسية جميعًا على العشاء.. في هذا الوقت وضعت لنفسي برنامجًا للقراءة بدأت فيه بالأدب العالمي، الإنجليزي والفرنسي والإغريقي القديم، وتكونت عقليتي من الكتب، وكذلك من المقاهي التي صقلت قدراتي الأدبية".
الكتاب: في حضرة نجيب محفوظ
تأليف: محمد سلماوي
الناشر: الدار المصرية اللبنانية 2011
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسط
