تشكّل الحرب الأهلية الأميركية بين الشمال والجنوب، أحد المنعطفات الأساسية في المسار التاريخي للولايات المتحدة الأميركية.

وإذا كانت تلك الحرب تمثل أحد أكثر المواضيع التي تطرّق لها المؤرخون والباحثون في أميركا وغيرها، فإن استاذ التاريخ في جامعات كارولين الشمالية جيمس مارتن، يكرّس عمله الأخير لمظهر جرى إهماله، إلى حد بعيد، لتلك الحرب، وهو يخص حياة قدماء المحاربين، بعد نهايتها، وسبل اندماجهم في مجتمعاتهم، وفي المجموعات البشرية التي عادوا للعيش فيها بعد خوضهم غمار تلك الحرب.

إن ما يزيد على مليون شخص، عادوا إلى منازلهم بعد نهاية المواجهات التي عرفتها الحرب الأهلية الأميركية، خلال الأعوام، من 1860 وإلى 1965، وذلك كما يشير مؤلف الكتاب في إحدى الإحصائيات العديدة التي يحتوي عليها الكتاب.

يبدأ المؤلف تحليلاته من البداية، أي منذ عودة المحاربين القدماء إلى أسرهم، إذ كانت تلك العودة مختلفة تماماً وجذرياً، بين الجنود المنتصرين والجنود المهزومين. ولقي المنتصرون استقبالًا احتفالياً وبموكب في كثير من الأحيان. وذلك بعد أن كانوا سافروا بسهولة نسبياً في القطارات. وكان استقبالهم حارّاً من قبل الجميع وبالورود ومراسم التكريم والشرف الكبرى.

أما المهزومون، فقد كان عليهم في أغلب الأحيان أن يسلكوا طرقاً معزولة سيراً على الأقدام، وفي إطار مشاهد حزينة من الخرائب وطرق خالية تقريباً من الآخرين. ثم هناك دائماً الخوف من مقابلة الوجوه الحزينة والبؤس الذي ينتظرهم. والإطار الذي يضم ذلك كله كان المشاعر المحطّمة للمهزومين. ويشرح المؤلف أن مجرد عودة المحاربين لممارسة حياتهم كمواطنين عاديين، كان يبدو بمثابة مهمة في غاية الصعوبة.

والأمر يزداد صعوبة بالنسبة لأولئك الذين خرجوا من المعارك جرحى أو بُترّت واحدة من أعضاء جسدهم. ذلك أنه ليس من السهل على الإطلاق مواجهة المستقبل مع "عاهة مستدامة"، وما يترتب على ذلك من مشاعر الإحباط والإحساس بالعجز. وكان الأمر يتساوى في تلك النقطة بين المعسكرين، معسكر المنتصرين ومعسكر المهزومين.

في غداة نهاية الحرب الأهلية ظهر بعض التلكؤ من قبل الحكومات المحلية والحكومة الفيدرالية، حيال حقوق المعاقين من اليانكي، وكذلك بالنسبة لأعدائهم السابقين.

إن المسؤولين الأميركيين بكل مشاربهم، وجدوا أنفسهم بعد نهاية الحرب، أمام واقع من المآسي الكبيرة التي خلفتها المواجهات بين دعاة الانفصال "الجنوبيين"، وأنصار الاتحاد "الشماليين". وكان من الطبيعي أن يفرز ذلك الواقع منظومة تعنى أكثر فأكثر بأولئك الذين كانوا قد خاضوا غمار الحرب.

بالإضافة إلى الأعباء الكبيرة التي تحملتها ولايات شمال الولايات المتحدة وجنوبها من أجل تأمين سبل بقاء وعيش قدماء المحاربين، نفقات المنظمات التي تعنى بهم. وفي جميع الحالات ليس من السهل أن يندمج المحاربون القدماء، حتى في "الحروب الجيدة"، من جديد في مجتمعهم.

ويشدد المؤلف على أن المحاربين القدماء الذين ساهموا في منع حدوث شرخ في جسد الولايات المتحدة، وانفصال بعض الولايات، استحقوا قدراً كبيراً من الاعتزاز بهم، ومن اعتراف الأمة بما قدّموه، وبالتالي كان لهم الحق في أن يعيشوا حياتهم، باعتبارهم كنزاً وطنياً.

ويوضح المؤلف أن التاريخ زاخر بالجنود، ولكنه زاخر بالصمت أيضاً، حيال المحاربين القدماء. والمحاربون القدماء الذين ساهموا في الحرب الأهلية على جبهة صيانة الاتحاد الأميركي، مثّلوا أولئك الذين أنقذوا بلادهم. ثم إن الحكومة الأميركية كانت المستفيد الأكبر من الخدمات التي قدموها. لذلك كان من الطبيعي أن توليهم عنايتها.

ويشير مؤلف الكتاب إلى أنه خلال حوالي 70 سنة بعد نهاية الحرب الأهلية، كانت الميزانية المكرّسة لعلاج المحاربين القدماء ودفع تعويضات لهم، تتمتع بالحصة الأكبر في الميزانية الاتحادية الأميركية.

لكن واقع ما بعد الحرب والنفقات المترتبة عليه لم يمرّ في أميركا، دون طرح مشكلات اجتماعية وسياسية كبيرة. ثم إن المال يعمل على إظهار البشر لأسوأ ما لديهم من مشاعر وأحاسيس وأشكال سلوك أيضاً، كما يقول المؤلف، ويضيف ان هذا الأمر كان صحيحاً خلال فترة ما بعد الحرب الأهلية الأميركية، أكثر مما هو صحيح اليوم، وفي كل مكان.

 

 

 

الكتاب: الغناء ليس الحرب

تأليف: جيمس مارتن

الناشر: جامعة كارولينا2011

الصفحات: 368 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Sing not war

James Marten

The University of North Carolina- 2011

368 p.