أكّدت الشرائع السماوية على أهمية الماء في حياة البشر والكائنات الحيّة. وربط الكثير من المفكّرين بين وجود المياه والتطوّر الحضاري للمجتمعات الإنسانية. ولا يخفى على أحد اليوم الأهمية الإستراتيجية التي تكتسبها المياه في علاقات الدول والأمم.
حيث إن العديد من الباحثين في المسائل الدولية يعتبرون أن «حروب المياه» ترتسم في أفق القرن الحالي، الحادي والعشرين. و«المياه والحياة والحضارة» هو عنوان الكتاب الصادر عن جامعة كمبردج بإشراف الأستاذين الجامعيين ستيفن ميتين وايميلي بلاك ومساهمة عدد من الباحثين الأكاديميين.
إذا كانت العلاقة بالمعنى العام والشامل للكلمة بين المياه والحياة والحضارة تحظى باهتمام المساهمين في هذا الكتاب، فإن موضوع دراستهم المحدد، بحث العلاقة بين «المناخ والبيئة والمجتمع في وادي نهر الأردن».
كما يقول العنوان الفرعي للكتاب. وتتوزع مساهمات هذا العمل «الكتاب»، الذي يزيد عدد صفحاته عن الخمسمائة صفحة، بين ستة محاور رئيسية، إذ يبحث المحور الأول في «المناخ بين الماضي والحاضر»، كما يقول عنوانه . ويتعرّض المساهمون في محاوره الثانوية ـــ فصوله ــ بالتتالي، إلـى ثلاث مسائل أساسية تتعلّق بـ: المناخ الحالي في الشرق الأوسط، أنماط المناخ الماضية التي عرفها الشرق الأوسط، المناخ المستقبلي في الشرق الأوسط.
وتبحث الأقسام الخمسة الأخرى، الواقع البيئي وتبدلاته عبر المسار التاريخي الذي عرفه وادي نهر الأردن، منذ حوالي 20000 سنة، وحتى الآن ؛ ثم قسم يخص الدراسات المائية لوادي نهر الأردن وآثار التبدّل على البحر الميت وعلى منطقة وادي فينان ووادي حاسا؛ وقسم عن الدور البشري في إدارة مصادر مياه وادي نهر الأردن وسبل مواجهة التبدّل المناخي في عدد من مناطق الوادي.
ويتعمق الكتاب بتناول الجانب الاقتصادي من خلال علم الآثار ونتائج الأبحاث في هذا الميدان بالأردن منذ القديم خاصّة فيما يتعلّق بنمط التغذية وآليات الري، وذلك ضمن القسم الخامس من الكتاب. وأمّا مساهمات القسم السادس والأخير، فهي مكرّسة لدراسة المجتمع والاقتصاد والمياه في الوقت الراهن، كما يقول عنوانه.
إن الخط الناظم لمجمل مساهمات هذا الكتاب يتمثّل في القيام بدراسة متعددة المشارب، إذ تشمل علوم الأرض والجيولوجيا والاقتصاد وتطوّر المجتمعات والذهنيات، وفي منظور إيجاد العلاقة بين المناخ والثروات المائية وتطوّر المجتمع الإنساني منذ عشرين ألف سنة حتى الوقت الراهن في منطقة معينة، وهي وادي نهر الأردن. ويتم من خلال هذه الدراسة تبيين كيف أن القطع الأثرية التي تمّ العثور عليها في الحفريات العديدة التي شهدتها المنطقة المدروسة تتماهى وتتماشى مع أنماط المناخ التي كانت سائدة في عهدها.
وكذلك تحاول الدراسات المعروضة تقديم الحجج والبراهين على أن تبدّلاً في البيئة وفي الجيولوجيا، ستكون له آثاره على الواقع المائي وبالتالي الزراعي والغذائي بالنسبة لوادي نهر الأردن وللوديان المتفرّعة عنه. ويتم في هذا السياق أيضاً، شرح السبل الأكثر فعالية من وجهة النظر المطروحة في مجال كيفية تعامل أهل المدن والأرياف من أجل التزوّد بالمياه.
وإذا كانت مساهمات الباحثين تتركّز على وادي نهر الأردن وعلى دراسة بعض الحالات المحددة للوديان والمدن والقرى المتفرّعة عنه أو المرتبطة مائياً فيه، فإن أفق هذه المساهمات البحثية تطال منطقة الشرق الأوسط بمجملها، أو بلدان المشرق أو منطقة شرق المتوسط، كما يعبّر بعض المساهمين.
ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، حيث يتم التأكيد على أن المعايير المتبناة يمكن أن تصحّ بالنسبة لدراسة التطوّر الإنساني بمجمله. وإذا كان المساهمون يؤكّدون على أن البلدان المتقدّمة تعاني في حالات كثيرة من أزمة في المياه، فإن هذه الأزمة، أكثر خطورة بكثير في العديد من بلدان العالم المعروف بـ«الثالث»، كحالة الأردن. ولا تتردد ايميلي بلاك، أحد المشرفين على الكتاب، في التأكيد على أن شحّ المياه هو التهديد الأكبر للبيئة الذي يواجهه الأردن.
وتدعم رأيها بتوضيح حقيقة أنه حتى بدون تغيير مناخي، ستنخفض حصّة الفرد الأردني إلى حوالي 91 متراً مكعّباً في السنة، في العام 2025. والنتيجة المباشرة التي تترتب على مثل هذا المنظور، هي حتمية الآثار الاجتماعية الناجمة بالنسبة للأردن.
ويزيد من خطورة الأمر منظور التبدّل المناخي المحتمل في عموم الشرق الأوسط، حسب التحليلات المقدّمة، وهو ما يجعل أزمة شحّ المياه عامّة في المنطقة. إن مساهمات هذا الكتاب تركّز بمجملها على عدّة نقاط أساسية، يكمن أهمها في التأكيد على أن المياه كانت منذ ملايين السنين، مع الهواء الذي نستنشقه، بمثابة الإرث الأكثر قيمة بالنسبة للإنسان. ثم إن التنمية والمياه، شكّلتا عبر مسيرة التاريخ، ركيزتين متلازمتين في تقدّم الحضارات.
وتتم الإشارة الى أن المنطقة المتوسطية عموماً، كانت قد عرفت رطوبة أكبر، قبل 6000 سنة. وهذا مع ملاحظة أن المعطيات التي كانت متوفرة حتى فترة قريبة، لم تكن تسمح برسم «صورة كاملة» لواقع مسار التطوّر المناخي السابق. وهذا بالإضافة إلى «تناقض» التفسيرات للوثائق المتوفرة آنذاك.
ولعلّ الأهمية الكبرى لهذا العمل الجماعي تكمن في أنه يقترح مقاربات جديدة وطرقاً جديدة يمكن تطبيقها من الكشف عن الروابط العميقة بين المناخ ومصادر المياه وتطوّر المجتمعات الإنسانية. وذلك خاصّة في المناطق القاحلة أو شبه القاحلة، في جميع أنحاء العالم. ولا شك في أن هذا العمل ستكون له قيمة مرجعية بالنسبة للباحثين في مجال اهتمامه، وخاصّة بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط.
الكتاب: المياه والحياة والحضارة
تأليف: ستيفن ميتين وايميلي بلاك وآخرون
الناشر: جامعة كمبردج 2011
الصفحات: 520 صفحة
القطع : المتوسط
Water,life and civilisation
Steven Mithen , Emily Black andة
Cambridge university press- 2011
520 p.
