يبين كتاب «الأصولية والعقلانية»، لمؤلفه الدكتور علي سليمان الرواحي، أن المجتمع العماني يحتضن أكثر من خطاب ديني إسلامي: الإباضي والسني والشيعي ــ (الترتيب حسب التاريخ).
ولا يقتصر هذا الاحتضان على المستوى الشعائري والطقوسي أو الاعتقادي المرتبط بكل خطاب على حدة، بل هذا الاحتضان يشمل المستوى الاقتصادي والسياسي، وحتى المجتمعي في بعض الأحيان. ويوضح المؤلف أننا نجد، وفي داخل كل نظام اعتقادي أو معرفي، أكثر من قراءة وأكثر من تأويل، غير أنَّ هذه القراءة لا يمكنها الاستمرار والبقاء إلا إذا كان لها احتضان سلطوي أو شعبي أو أثر مكتوب.
ويرى علي سليمان الرواحي، في الكتاب، أن الكثير من الحركات التي ظهرت في السياقات العربية الإسلامية، انتهت بنهاية مؤسِّسيها أو استمرت قليلاً بعدهم وأصبحت من تاريخ الفكر، ومنها: المعتزلة، القرامطة، المرجئة. ويلفت الى انه يرتبط بقاء حركة ما أو نهاية أخرى، برأيه، وفي المقام الأوَّل، بالاحتضان السياسي أو القبول المجتمعي.
ويبين المؤلف انه في المضمون العقائدي للكثير من المذاهب، لم تظهر الكثير من الفروقات التأويلية، مثلما ظهرت في نظيراتها، بفعل مسبِّبات كثيرة، وأهمها: العامل الجغرافي الانعزالي على مدى التاريخ، إذ نلاحظ أنَّ النظام الاعتقادي لبعضها بقي في منأى، إلا قليلاً، عن التداخل بينه وبين الحضارات الأخرى.
ويؤكد الرواحي أن الخطاب الديني يعتمد بشكل عام، وبالرغم من كل التقسيمات الاعتقادية اللاحقة له، على آليات متشابهة. ويستعرض المؤلف مجموعة من التقسيمات والمواضيع التي ينبغي الاهتمام بها، في هذا الصدد، إذ يجب التفكير فيها، مبيناً أنه تمَّ خلق عدة حواجز متخيَّلة، في بعض الاعتقادات، لكي لا يتم الدخول للكثير من المواضيع، الأمر الذي أنشأ خطابات مركزية وأخرى هامشية، وفي داخل كل خطاب تقسيمات كثيرة حسب المواضيع، مما يعني أنَّه قد تمَّ استخدام هذا المتخيَّل كعامل دمج في الكثير من المواقف الماضية والمعاصرة.
وهذا الدمج أدى إلى وجود إيديولوجيا عمومية قامت بدورها كعامل مسخ للفردانية واحتفاء بالجماعة، وعلى مواصلة التخندق في مواضيع معينة، ونبذ الأخرى. ويشير الرواحي إلى انه كانت هذه الإيديولوجيا العمومية، ولا تزال، إلى حد بعيد، تشكِّل عاملاً مهماً للتماسك المجتمعي بالرغم من كل التوترات السياسية والفقهية المستمرة.
وأمَّا على المستوى الاجتماعي، فيجد المؤلف انه ينطلق الخطاب الديني من مسلَّمة مهمة، وهي ضرورة تقديم النصح والإرشاد الحياتي العام لكل الجوانب المختلفة. ويلمح المؤلف الى اهمية الاعتناء بالجوانب الاخرى التي تؤثر بفاعلية في حياة المجتمع، مثل: البحوث المتعلِّقة بالجوانب الاجتماعية (علم الاجتماع)، الجانب التاريخي ينطلق (ضرورة كتابة التاريخ العُماني بجميع حيثياته).
ويشير المؤلف علي سليمان الرواحي، الى حقيقة ان الاختلاف في تاريخ النظام الاعتقادي مرفوض في الجوانب المركزية. ولكنَّه مقبول في الجوانب الفرعية والفقهية الجانبية.
ويرى انه، ومع مرور الوقت وتبلور الكثير من الرؤى والمواقف، وتشكلها، لم يعد كافياً أن يقتصر الخط العقائدي على الأطر الفقهية، بل ينبغي أن يشمل ذلك كل جوانب الحياة، من فعاليات فكرية وسلوكية وغيرها، ليصبح لاحقاً بمثابة «المعيار الذي ستُقاس به التصورات اللاحقة». وهذه الرؤية المعروضة، حسب المؤلف، لا بد وأن تشمل جميع المذاهب والفرق الإسلامية.
الكتاب: الأصولية والعقلانية دراسات في الخطاب الديني العماني
تأليف: علي سليمان الرواحي
الناشر: دار الفارابي بيروت 2012
الصفحات: 247 صفحة
القطع: المتوسط
