تعتبر مدينة اسبن الأميركية جوهرة كولورادو. وتحيط بها الجبال الخضراء ويمارس الكثير من أغنياء العالم رياضة التزلج على الجليد في المنتجعات الشتوية القريبة منها كذلك تشتهر المدينة بمتاجرها الفخمة التي يبيع عدد منها منتجات أكبر بيوت الأزياء والعطور في العالم. ويوجد في اسبن بعض منازل السكن الأكبر ثمنا في الولايات المتحدة الأميركية. باختصار لا بد لزائري اسبن من الشعور بالدهشة أمام الجمال الخلاب الطبيعي الذي يحيط بهذه المدينة من كل صوب.

وفي شهر ديسمبر من العام 1999، تبنّت سلطات المدينة "باسم حماية البيئة" قرارا يقضي بالحد من عدد المهاجرين الذين يريدون القدوم إلى مدينة اسبن. وكانت الحجة المستخدمة وراء استصدار مثل ذلك القرار هي إيجاد السبل لحماية البيئة من الأخطار الناجمة عن تزايد عدد سكان المدينة بسبب أفواج المهاجرين.

لكن ذلك المنطق في حماية البيئة لم يكن يجد مرتكزاته الحقيقية في الحرص على البيئة لم يكن يجد خلفيته الفعلية في منطق عنصري وفي التأكيد على مجموعة من القيم ذات الطابع المحلّي. هذا ما يؤكده ويشرحه الأستاذان الجامعيان ليزا سن- هي بارك ودافيد ناجيب بيللو في كتابهما الذي يحمل عنوان: "أحياء اسبن القصديرية".

ويشير المؤلفان في مقدمة كتابهما الى أنهما أمضيا حوالي عقد كامل من البحث في وادي كولورادو الذي تقع فيه مدينة اسبن. ويحاولان التنقيب عن المشاعر الدفينة العميقة الكامنة وراء القرار الذي اتخذته سلطات المدينة في اتجاه "العداء للمهاجرين. كما يبحثان في الآثار التي ترتبت على ذلك القرار حيال أولئك المهاجرين الذين كانوا قد أقاموا في المدينة قبل صدوره.

المادة الأساسية في البحث تتمثل في إجراء سلسلة طويلة من اللقاءات مع المهاجرين، أو المرشحين للهجرة، أنفسهم، وكذلك مع القادة السياسيين والمسؤولين في الحقل الاجتماعي بمختلف فروعه والقائمين على سياسات حماية البيئة.

 كما يلجأ المؤلفان إلى قراءة متأنية في الصحف المحلية الموجودة في أرشيف المؤسسات العلمية أو البلدية. ومن خلال هذا كله يصلان إلى نتيجة مفادها أن مدينة اسبن تعاني من تبعية حقيقية حيال المهاجرين فيما يتعلق بتسيير مصالحها ومؤسساتها. وأنه يسود لدى سكانها إحساس عميق بضرورة تبنّي خطط إصلاحية حقيقية لسياسة الهجرة.

ويشرح المؤلفان أن النزعة المتطرفة في الدعوة لحماية البيئة "تستدعي عادة للذهن صور السلام والصفاء" والوحدة مع الطبيعة وحس اقتسام المسؤولية". لكن مثل هذه "المعادلة" وجدت "نسخة معاكسة" لها في مدينة "اسبن" بكولورادو، كما يشرح المؤلفان، ذلك أنه تحت حجّة حماية البيئة جرى تبنّي قرارا يحدّ من الهجرة.

ويزيد ويدعّم بالوقت نفسه امتيازات الوافدين الجدد "من الأغنياء". وكان "كبوش الفداء" الفعليين من جراء مثل تلك السياسة هم المهاجرون الحقيقيون الذين تحتاج المدينة لخدماتهم من أجل تشغيل مرافقها، وخاصة من بلدان أميركا اللاتينية القريبة.

إن مؤلفي هذا الكتاب، وانطلاقا من "أحياء اسبن الفقيرة"، يتعرضان بالبحث والتحليل لشرح بعض المشاكل الأكثر إلحاحا المتعلقة بأزمة البيئة والهجرة ومختلف أشكال التباين الاجتماعي الحاد. ما تؤكد عليه التحليلات المقدّمة هو أن المجموعات البشرية المختلفة بكل شرائحها وطبقاتها تعيش هذه الأزمات والمشاكل في حياتها اليومية.

ولكن بطرق وبمنظورات مختلفة. ففي الوقت الذي يولي فيه الفقراء اهتمامهم الأول لتأمين سبل عيشهم، يسعى الأغنياء إلى "التمتع" بالطبيعة ويؤكدون على ضرورة المحافظة على الغابات والأنهار والجبال و"أحياء النخبة". وعلى قاعدة هذا كله يريدون التمتع بـ"امتياز البيئة" بعيدا عن "تخريب السكان الجدد" لها، خاصة إذا كانت بشرتهم "داكنة" قليلا.

ويخلص المؤلفان إلى القول إنه إذا اتفق الجميع على ضرورة حماية البيئة، فإن هناك قدرا كبيرا من "المظالم" المرتبطة بالسياسات الخاصة بالبيئة بسبب ما تقوم عليه من خلفيات "ذات طابع عنصري أحيانا"، الأمر الذي يجد ترجمته الواضحة على صعيد سياسات الهجرة.

العديد من الشواهد التي جاءت في هذا الكتاب تشير إلى أن العمال المهاجرين "غاضبون من ظروف عملهم". وهناك شواهد من أفول ناشرين وساسة "تكشف عن مواقف السكان البيض الذين لا يروق لهم حضورهم الملونين- وتعيب عليهم جملة من المشاكل الاجتماعية وأخرى تتعلق بالبيئة".

في خاتمة الكتاب يدعو المؤلفان إلى "نهاية العنصرية البيئية" وتبني "تفكير جديد" يستفيد منه الجميع.

 

 

 

 

 

 

 

 

الكتاب: أحيـــــــــاء اســــبن القصـــــديـــــريــــة

تأليف: ليزا سن-هي بارك، دافيد ناجيب بيلو

الناشر: جامعة نيويورك - 2011

الصفحات: 288 صفحة المتوسط

 

 

The slums of Aspen

Lisa Sun-Hee Park, David Naguib Pellow

New York University Press- 2011

288 .p