اشتهرت فرنسا بأنها بلد الفن والمتاحف بامتياز، والعاصمة باريس تحتضن "متحف اللوفر" الذي يزيد عدد زائريه على عدة ملايين سنوياً، إنهم يريدون مشاهدة محتوياته من اللوحات الشهيرة وليس أقلها أهمية لوحة "الموناليزا- الجوكوندا" للرسام الإيطالي الشهير ليوناردو دافنشي.الناقد الفني الفرنسي هكتور اوبالك يقدّم لقرائه كتابا تحت عنوان: "رؤية لحظات التاريخ الصغرى والكبرى".

ويقصد بالتحديد تلك اللحظات التي خلّدتها الأعمال الفنية الشهيرة حيث يقوم بالتعليق على 120 عملاً أنجزها مبدعوها خلال فترة زمنية تمتد من العصور القديمة اليونانية حتى العصر الراهن. أما هدف المؤلف من كتابه فيحدده بمحاولة إظهار "التفاصيل" التي ينبغي على المشاهد الانتباه إليها في هذا العمل الفني أو ذاك.

ومن خلال ذلك محاولة التعرف على "عبقرية الفنان" الذي أنجز الأعمال المقصودة، بهذا المعنى يريد أن يزيد من "حساسية المشاهد" حيال الرسم والنحت والتصوير أيضاً، هذا ما يسميه المؤلف "حبّ المشاهدة ودفع المشاهد إلى حب ما يراه".

مادة هذه الكتاب الأساسية هي المقالات التي كان المؤلف- الناقد الفني قد كتبها في المجلات والدوريات الفنية، أو مما كان قد قدّمه في أفلامه التسجيلية القصيرة التي عرضها في التلفزيون، وخاصة من خلال قناة "ارتي" الشهيرة باهتماماتها الثقافية عامة.

ومن خلال معرفته القريبة بأعمال المبدعين الكبار، من أمثال رامبرانت وبيكاسو وانغر وفيلاسكيز وغيرهم، وهكذا يجد القارئ معيناً له من أجل مشاهدة أفضل للأعمال الفنية، من خلال الأبعاد التشريحية والضوء والحركة والمقارنة ومكنون العواطف والدلالات الفنية التاريخية.

لكن كيف تتم قراءة لوحة ما؟

ما تتم الإشارة إليه أولاً هو أن تاريخ الفن بمجمله شبه غائب تماماً عن المناهج المدرسية في مختلف بلدان العالم، ثم إن تدريس "الفنون" يمرّ في أغلب الأحيان عبر الأدب أو التاريخ. وبكل الحالات يتمّ في المدرسة تعلّم القراءة ولكن ليس تعلّم المشاهدة، أي مشاهدة اللوحة.

ثم إن المتاحف، مهما تعددت، إنما يمارس زوّارها النظر إلى اللوحات وليس مشاهدتها، بمعنى تمعّن النظر فيها وفهم تفاصيلها، المشاهدة يتم تعليمها، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب. إن المؤلف يرى في هدف مشاهدة العمل الفني محاولة للكشف عن أسراره، وبالنسبة للرسم المقصود أولاً هو تعلّم قراءة اللوحة والذهاب أبعد من السطح، والتأكيد أن هناك دائماً صعوبة في قراءة اللوحات الفنية.

ومن الصعب مثلاً أن نفهم الأسباب التي تدافع المشاهد إلى الإحساس بالضغينة حيال الفاشية، كما أراد أن يبرزها عدد من الرسّامين بينما يبدي إعجابه بلوحات سلفادور دالي. يتم التأكيد بأشكال مختلفة في هذا الكتاب على أهمية دراسة تاريخ الفن، ذلك أنه يسمح بوضع العمل الفني في سياقه التاريخ وبالتالي يعطيه دلالاته ومعناه.

لذلك تكمن مهمة مؤرخ الفن في دراسة الأعمال الفنية في منظور "تطورها "بحيث يغدو دليلاً على مؤشر للاستمرارية أو للقطيعة، تتم الإشارة في هذا الإطار أن مؤرخ الأدب ودارسه يحاول أن يجد في الأعمال الفنية أصداء الحركات الأدبية وحساسيات الفترة أو المكان الذي يتم إنتاجها فيه.

ويحدد المؤلف القول أن العمل الفني هو قبل كل شيء وسيلة للتواصل، ذلك أنه يحتوي بالضرورة على رسالة ينبغي على المشاهد فك رموزها حسب القواعد الخاصة بكل فترة من فترات التاريخ، وقراءة العمل وتحليله يسمحان بفهم طريقة تفكير الفنان الذي أبدعه ورؤيته إلى العالم، أو ربما فهم طريقة تفكير الحقبة أو المجتمع المعنيان فيه.

أما الخطوط العريضة لتعلّم قراءة لوحة ما فتتمثل أولاً في معرفة شروط إنتاجه مثل فترة إنجازه وتوصيفه ثم محاولة تبيين أهميته التاريخية، إذا كان يرتبط بحدث ما، يلي ذلك توسيع منظور التحليل عبر إدراج العمل في سياقه التاريخي والثقافي عبر تحديد مرجعيات من خلال المقارنة مع أعمال أخرى.

من المهم أيضا تحديد مكان إنتاجه والمواد المستخدمة في صنعه، كذلك تحديد النوع الذي ينتمي إليه مثل الرسم التاريخي الذي تكون له بالضرورة علاقات مع مواضيع الأساطير والمعتقدات والأحداث التاريخية من معارك وغيرها-.

إن الدراسة التوصيفية تعنى بكل ما هو مرئي وحيث الطريقة الأكثر بساطة تكمن في تقسيم اللوحة إلى عدة أجزاء مثلاً من اليمين إلى اليسار أو من أعلى إلى أسفل، وفي حالة الأعمال التجريبية يتم التأكيد على الحركة أو اللون والضوء من حيث هو مباشر أو غير مباشر، طبيعي أو صناعي، واللون، هل الألوان "الحارة" هي الغالية أم الباردة؟

وضربات الريشة، وما "تنتجه" من ضوء أو ظلال، ثم هناك عدد من الفنانين يلجؤون إلى استخدام الرموز، هذه الرموز ينبغي الخوض في "تفسيرها" و"دلالاتها". بكل الحالات يؤكد المؤلف أنه لا يمكن عزل العمل الفني أو الفنان عن زمنه وعن الحيّز الجغرافي لعمله، وعن المدرسة الفنية وأسلوب الرسم أو النحت الذي يتبناه، ثم ليست قليلة الأعمال الفنية التي تحيل إلى مرجعيات تعود إلى إرث أو تقليد مثل الكلاسيكية أو التكعيبية أو غيرها.

 

 

 

 

الكتاب: رؤية لحظات التاريخ الصغرى والكبرى

تأليف: هكتور اوبالك

الناشر: هازان - باريس - 2011

الصفحات: 256 صفحة المتوسط

 

 

Aimer voir petits et grands moments de lصhistoire

Hector Obalk

Hazan - Paris- 2011

256.p