يقسّم كتاب« نظرية التلقي.. رحلة الهجرة» للباحث المغربيّ فؤاد عفّاني، سياقات ومجالات دراسته في كتابه إلى بابين، الأوّل: نظريّة التلقّي في المحضن وخارجه، والثاني: نظريّة التلقّي في الأدب المغربيّ. ويغلب على الباب الأوّل الجانب التنظيريّ، في حين يغلب على الثاني الجانب التطبيقيّ. ويقسّم كلّ باب إلى فصلين، إذ يضمّ كلّ فصل مباحث ترتبط ببعضها من حيث الأهمّيّة، وتتكامل لإتمام البحث.
ويخصص فؤاد عفّاني، الفصل الأوّل في مستهل أبواب الكتاب، لتقديم تصوّر شامل عن نظريّة التلقّي في موطنها الأمّ، نظراً لما توفّره من جلاء للرؤية، ذلك لأنّ معرفة تاريخ المفهوم تذلّل كثيراً من الصعاب وتيسّر الخطوات التالية- حسب المؤلف- كما تمكّن القارئ من مسايرة القضايا التي يناقشها في تطبيقاتها.
ويقف عفّاني في المحور الاول من بحثه عند نشأة مصطلح «التلقّي»، سواء تعلّق الأمر بدلالته اللغويّة أو بدلالته الجماليّة والنقديّة التي تبلورت لاحقاً بفعل عوامل عديدة. فيحاول وضع نظرية التلقّي في سياقها التاريخيّ، عبر رصد حيثيّات نقلة التمرّد على النصّ والانتقال نحو القارئ الذي يمثّل القطب الثالث، إلى جانب قطبيّ النصّ والمؤلّف، إذ إن تلك الأقطاب الثلاثة هي التي احتضنت التحوّلات الكبرى في تاريخ النقد الأدبيّ.
وينقّب المؤلف أثناء ذلك، في ما اعتمل في حقول فكريّة وفلسفيّة وعلميّة مواكبة. ثمّ ينتقل إلى سبر الأصول والمفاهيم، متوخّياً تقديم منوال بسط مكثّف للنظريّة. ثمّ يتحول المؤلف الى البحث في دواعي انتقال نظرية التلقّي إلى النقد الأدبيّ العربيّ وأشكاله، فيتفحص هنا مساقات عمليّة انفتاح النقد الأدبيّ العربيّ على النقد الغربيّ، وكيفيّة سيره بالتدريجّ نحو المقاربات التي تعلي من شأن القراءة والقارئ، مقابل تقويض سلطة النصّ.
وينطلق الباحث من ارضية تفصيلاته تلك ليقدّم تصوّراً عن قنوات انتقال النظريّة إلى النقد العربيّ، إذ يجد ان تلك القنوات تتجلّى في: الترجمة، محاولة التأصيل العربيّ لنظرية التلقّي، وايضا مركزة على الاكتفاء ببسط النظرية، التطبيق.
وأمّا في الباب الثاني، فيخصّص عفّاني ومضمون دراسته للبحث في ماهية حضور نظريّة التلقّي في النقد الأدبيّ المغربيّ.
ويعمد هنا الى تقسّيم بحثه في قالبين يعالج في الأوّل إشكاليّة انتقال النظريّة والقنوات التي تمّ عبرها ذلك الانتقال، وكذا يقدّم صورة للمشهد النقديّ المغربيّ قبل استقطاب نظريّة التلقّي، ليتمكّن من الإشارة إلى الأسباب والظروف الحقيقيّة الكامنة وراء استنبات نظريّة التلقّي في تربة النقد الأدبيّ المغربيّ. ثمّ يناقش في القالب الثاني الكيفية التي تأتي بها تطبيقات التلقي الإجرائيّة.
موضحا ذلك عبر استعراض نماذج عديدة، لكتّاب مؤثّرين، كرشيد بنحدو، وإبراهيم الخطيب، وعبد العزيز طليمات، محمّد مفتاح، عبد الفتّاح كليطو. كما يتناول تطبيق نظريّة التلقّي على النصوص الشعريّة والسرديّة، فيبحث في آليّات مقاربة قراءة القصيدة التقليديّة، والتفاعل بين المرسل والمتلقّي، وكذلك يدرس ركائز وتوجهات توظيف النظريّة من خلال نصوص روائيّة وقصصيّة.
كما يلفت عفّاني الى نقطة مهمة، في سياق بحثه، يطلعنا فيها على حقيقة توصل اليها من خلال منهج بحث العلمي الفكري، فحواها صعوبة الإلمام بكلّ ما كتب عن نظريّة التلقّي، وإدراك إشكاليّاتها وأصولها، كون النظريّة لم تكن وليدة سياق فكريّ واحد، إنّما انبثقت عن باقة من التيّارات الفكريّة والفلسفيّة المتباينة.
ويؤكّد في هذا الصدد، أنّ نظريّة التلقّي تعدّ مكسباً للنقد العربيّ، ذلك أنّها تفتح آفاقاً جديدة أمام المقاربات الأدبيّة الفكريّة للنصوص، كما تخرج القارئ والدارس من القولبة والتأطير.
ويخلص المؤلف إلى جملة نتائج حيوية في مجال دراسته، استخلصها من منهجه في رصد واقتفاء ارتحال المصطلح وهجرته الأدبيّة الفكريّة، منها، إذ ثبت لديه ان النظريّة في موضوعة (التلقي) ومجمل التشابكات في هذا الحقل، أينعت في حضن الفكر الفلسفيّ الغربيّ، وجاءت استجابة لتحوّلات فكريّة واجتماعيّة وسياسيّة اعترت الفكر النقديّ الألمانيّ والثقافة الغربيّة.
وكذلك الدواعي والتأخّر في استقبال النظريّة. وأيضا نتيجة اخرى تتمثل في أنّ الإقبال على نظريّة التلقّي جاء نتيجة انسداد آفاق الحث التي قدّمتها المقاربات السابقة للعمل الأدبيّ.
الكتاب: «نظريّة التلقّي رحلة الهجرة»
تأليف: د. فؤاد عفّاني
الناشر: دار نينوى دمشق 2011
الصفحات: 368 صفحة
القطع: المتوسط
