كثر الحديث خلال السنوات الأخيرة، عمّا يسمّى بـ"أسلحة الدمار الشامل" النووية والكيماوية والجرثومية. لكن هناك سلاح تدمير شامل، آخر، لا يقلّ فتكاً، يحدده الكاتب وعالم الاجتماع السويسري جان زغلر بـ"الجوع والفقر". وتجدر الإشارة الى أن المؤلف كان لقرابة العشر سنوات، مسؤولاً عن ملف الجوع، لدى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة.

«إن الجوع جريمة منظّمة». هذا ما يشرحه المؤلف على مدى الصفحات الأولى من الكتاب. ولكن من هم المجرمون؟ كما يسأل. ثم لا يتردد في الإجابة بأنهم أولئك الذين يرفعون شعار "الليبرالية الجديدة"، ويطبقونه في إطار العولمة السائدة. ثم يغدو زغلر أكثر تحديدا عندما يكتب: "إن الولايات المتحدة ومنظّماتها المرتزقة المنظمة العالمية للتجارة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي- ترى كلها في حق الغذاء للجميع إسفافا".

ولا يتردد المؤلف في تحميل الليبرالية الجديدة السائدة، وسلطة أسواق المال، مسؤولية دامغة في انتشار واقع الجوع في العالم. ويوضح أن الإحصائيات المقدّمة، تفيد بأنه خلال كل ثلاث ثوان يموت في العالم طفل لم يبلغ العاشرة من العمر، بسبب سوء التغذية.

بينما هناك عشرات الملايين غيره، وأهلهم مثلهم، يعانون من الجوع وآثاره البدنية والنفسية الرهيبة. ويشير جان زغلر بالاعتماد على تقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة، الى أن عدد سكان العالم يبلغ اليوم 7 مليارات، وسيصل هذا العدد إلى 10 مليارات في العام 2100.

وبالتالي غدا العمل على تأمين إدارة سليمة للموارد الغذائية، أمرا حاسما أكثر فأكثر. وفي منظور تحقيق الأمن الغذائي، الخطوة الحاسمة الأولى المطلوبة تغيير جذري في اتجاه المسار الذي تسلكه الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، العاملة في مجال الصناعات الغذائية. وهذه الشركات ليس هدفها إنتاج الأغذية، ولكن السلع التي تدرّ المرابح المالية. وذلك كما ينقل المؤلف عن الاقتصادي البرازيلي حوار بيدرو ستيديلي.

وفيما هو أبعد من الشركات متعددة الجنسيات، يوجّه زغلر انتقاده الشديد لآليات عمل الاقتصاد في البلدان المتقدمة. وهذه البلدان تحلم باستمرار، كما يقول، بالكيفية التي تسمح لها باستعباد بلدان الجنوب، أي البلدان الفقيرة. أما أكبر الضحايا ففي بلدان القارّة الإفريقية.

والأرقام هنا أيضاً بالغة الدلالة، إذ تؤشر الإحصائيات المقدمة على أن بلدان القارة الإفريقية مجتمعة، لا تمتلك سوى على 000 85 جرار زراعي، حسب منظمة التغذية والزراعة العالمية: " الفاو"، والدول الإفريقية المعنية على عتبة فقدان الأمن الغذائي.

وبالمقابل تظهر الإحصائيات أن معدّل عمر الإنسان في سويسرا اليوم يتجاوز 83 سنة، بينما لا يتجاوز 32 سنة في عدد من المناطق الإفريقية. وذلك أن هناك نسبة كبيرة من أبناء القارة الإفريقية، هم في عداد الـ925 مليون إنسان ممن يعانون من سوء التغذية حسب إحصائيات "الفاو" لعام 2010.

ورأي آخر عن الجوع يأخذه المؤلف من مثال البرازيل، حيث إن نصف البرازيليين لا ينامون بسبب جوعهم. والنصف الآخر لا ينامون لأنهم يخافون من أولئك الجائعين. وفي كتابه الذي قدّمه تحت عنوان "جيوسياسة الجوع"، يذكر المؤلف أنه تقول إحصائية على سبيل المقارنة، ان التغذية تمثل ما بين 10 إلى 15 بالمائة من الدخل الأسري الغربي، بينما تمثل ما بين 80 إلى 85 بالمائة من دخل الفقراء في بلدان الجنوب".

ويعود المؤلف مرّات عديدة، إلى توجيه الإدانة للمؤسسات التي يطلق عليها تسمية "الفرسان الثلاثة كنهاية العالم بسبب الجوع"، ويقصد بذلك منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. والمثال الصارخ الذي يقدّمه المؤلف على الآثار السيئة المترتبة على سياسة هذه المنظمة، هو هاييتي التي كانت تعرف حالة من الاكتفاء الذاتي في مجال الأرز خلال مطلع سنوات الثمانينات من القرن الماضي.

وقررت الحكومة فرض ضريبة جمركية بنسبة 30 بالمائة على الأرز المستورد. لكن خلال ذلك العقد، الثمانينات، مارس صندوق النقد الدولي ضغوطاً على الحكومة الهاييتية للقيام بخطط إصلاح بنيوية، فوصلت الضريبة الجمركية على الأرز 3 بالمائة فقط. وبالطبع اجتاح الأرز الأميركي المدعوم أسواق هاييتي ودمّر الإنتاج المحلّي، كما دمّر الوضع الاجتماعي لمئات الآلاف من الهاييتيين العاملين في حقل الزراعة.

وأما اليأس فقد صادفه جان زغلر، كما يقول، في النيجر عام 2003 حيث كانت البلاد تعاني من مجاعة رهيبة. واستقبله الرئيس النيجيري آنذاك، الجنرال مامادو تانجا، حيث أصرّ على القول ان بلاده ليست بحاجة إلى مساعدة: "المجاعة، أية مجاعة"؟ ولم يكن أمام المؤلف ممثل الأمم المتحدة- سوى الخروج بينما كانت تتولاه القناعة بأن الجنرال-الرئيس كان متواطئا مع كبار التجار الذين كانوا يحتكرون السلع الغذائية، من أجل المضاربة في الأسعار.

وفي المحصلة يؤكد جان زغلر، أن الفقر والجوع يمثلان أسلحة دمار شاملة حقيقية. ولكن لا يزال هناك المجال لـ«تصحيح المسار». ذلك أنه "في الحالة الراهنة للعالم يمكن للزراعة الكونية أن تؤمّن الغذاء دون ان تسبب أية مشكلة لـ12 مليار من البشر، أي حوالي ضعف عدد سكان المعمورة اليوم".

إن مؤلف الكتاب لا يعرض المشاكل فقط، ولكنه يقترح حلولاً في منظور المستقبل. ويؤكد أن 50 دولاراً فقط تكفي لذهاب طفل إلى المدرسة طيلة عام دراسي كامل، كما أثبتت بعض التجارب في اثيوبيا وبنغلاديش. ثم إن التغذية المدرسية تحطّم أحيانا دورة الجوع والفقر والاستغلال العائلي. ولكن تبقى الخطوة الأولى هي إعادة الأراضي للفلاحين.

 

 

 

 

 

الكتاب: دمار شامل جيوسياسة الجوع

تأليف: جان زغلر

الناشر: سويل باريس 2011

الصفحات: 352 صفحة

القطع : المتوسط

 

Destruction massive

Jean Ziegler

Seuil - Paris- 2011

352 p.