تتناول دراسات كتاب «موالـد الأولياء والقديسين»، للدكتورة عائشة شكر، والذي يعد بحثاً أعدته لنيل درجة الدكتوراه في فلسفة الفنون الشعبية، جملة مفردات وجوانب في مضمون الموضوع المطروق. وتستهل بكر مناقشاته بدراسة بعنوان "العادات والمعتقدات"، ترصد فيها الاحتفالات الشعبية المصرية الخاصة بتكريم القديسين والأولياء، .
والتي تعد من أقدم الظواهر الفلكلورية، إذ لاتزال تثير اهتمام الباحثين حتى الآن، وذلك لما تتميز به من تنوع عناصرها، فهي تشمل معتقدات شعبية تدور حول قدرات القديسين والأولياء "المعجزات"، إلى جانب ممارسات ترسخ هذا المعتقد والعادات والتقاليد المرتبطة بمظاهر الاحتفال. وتوضح أنها تتضمن جملة عناصر فلكلورية متنوعة، من الفنون والثقافة المادية، إلى جانب أنشطة مختلفة تشمل: الجوانب الدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكذلك النشاط الترفيهي.
وتتطرق عائشة شكر، في ارتباطات دراسات الكتاب، إلى موضوعات عدة تمس المساحات المشتركة بين عدد من العلوم الإنسانية كالأنثروبولوجية وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع السياسي والتاريخ، وهو ما اقتضى الاستعانة بعدة مناهج بحث للإحاطة بالجوانب المختلفة لموضوع الدراسة. وتبين المؤلفة أن الكنيسة المصرية تفضل استخدام مصطلح عيد، للإشارة إلى يوم تكريم أحد القديسين، بدلاً من مصطلح مولد الشائع على المستوى الشعبي، منذ زمن بعيد، والذي يعنى تكريم أحد القديسين باحتفال يجمع بين الطابع الديني الرسمي والشعبي المتعدد الأنشطة والوظائف.
وتوضح شكر أن الكنيسة هي الجهة الوحيدة التي تحدد موعد الاحتفال، بناء على تاريخ استشهاد القديس أو تاريخ العثور على جزء من رفاته، أو يوم تكريس إحدى الكنائس باسمه. كما أن الاحتفال الرسمي له طقوسه الدينية التي تجرى داخل الكنيسة، بينما تجري مظاهر الاحتفال الشعبي في الساحات المحيطة بها.
وهي تبين انه في المقابل، فإن التعاليم الدينية الإسلامية لا تتطابق مع المعتقدات الشعبية حول أولياء الله، لذلك لا تتدخل المؤسسة الدينية الرسمية كثيراً، في تحديد أولياء الله أو موعد الاحتفال بهم، وهو ما يجرى غالباً بالتوافق بين الأجهزة الشعبية المحلية وأجهزة الأمن والجماعات الصوفية، التي تقوم بالدور التنظيمي الرئيسي في مولد الأولياء.
وتمزج أجواء القداسة بالتسلية، جنباً إلى جنب، وفقاً لرؤية الباحث المتخصص صاموئيل، فالأعداد الغفيرة التي تتجمع في المولد والأضواء المنتشرة حول الضريح، فضلاً عن حلقات الذكر والموسيقى والإنشاد، وازدحام الناس حول الباعة وألعاب التسلية، كل ذلك يوحي بالطبيعة الثنائية لاحتفالية المولد.
وتشير المؤلفة الى أن المعتقدات الشعبية حول القديسين والأولياء، هي في الواقع من الظواهر المستقرة المنتشرة بين فئات وشرائح اجتماعية عديدة، في الريف والمدن، وبين الأميين الفقراء، وكذا بين من بلغوا مراتب عالية من التعليم والثراء، فهذه المعتقدات تبقى كامنة في الصدور وتظهر سطوتها في أقوال الناس وأفعالهم، خاصة عند أضرحة وقبور الأولياء والقديسين، أو المشاركة في احتفالاتهم، حيث يبدو الفرد أميل إلى التحرر من الكثير من الاعتبارات والمظاهر الاجتماعية. فيبدو أكثر تلقائية وأقرب للكشف عن طبيعته الإنسانية.
وتؤكد الباحثة أنه لا يوجد تحديد قاطع على المستوى الشعبي لمفهوم "الولي". وجاء ذكر الأولياء في القرآن الكريم في سورة يونس.
وتطلعنا شكر على الدراسات المتخصصة بهذا الصدد، مبينة انه استخلص الباحث صبحي منصور، من مجموعة آيات في القرآن الكريم، صفات الولي: الإيمان والتقوى (من الصفات التي تتميز بالعمومية بين سائر البشر، والعرضية أيضاً)، أي انها لا تلازم إنساناً معيناً طوال حياته، فقد تزيد أو تنقص في مراحل عمره وما يتعرض له من مواقف، كما أنها صفات غيبية لا يعلم حقيقتها إلا الله وحده.
وتبين شكر أن مجموعة من الباحثين المتخصصين، رفضت شرعية الاعتقاد فى الأولياء. وكذا فإن الغالب بين المشايخ، أن كل الممارسات الدائرة في مجال الأولياء، لا تربطها بالدين الإسلامي صلة من شرع أو سنة.
لكن، وبالرغم من ذلك، فإن المعتقد الشعبي ينظر إلى أولياء الله، على أنهم الواسطة بين الإنسان وخالقه.
وتلفت المؤلفة إلى انها عمدت في الدراسة الى التركيز على أن "الولي" هو الشخص الذي يخصه أفراد المجتمع المحلى بتقدير كبير، اعتقاداً منهم بعمق إيمانه وتقواه، ويظنون أنه من أصحاب الكرامات ويستجيب الله تعالى لدعائه، فيطلبون شفاعته لهم ويكرمونه بتقدير النذور وإقامة الاحتفال الخاص به سنوياً.
وأما القديس فهو مرتبة دينية لا يحوزها إلا من تمنحه الكنيسة هذا اللقب، وفقاً لقواعد أقرها الباب أربان الثالث، بالنسبة لكنيسة روما الكاثوليكية، بينما تضع الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، قواعد أكثر تشدداً وصرامة في هذا الشأن. وفي الوعي الشعبي فإن القديس شخص عاش حياة تقوية رهبانية نسكية عالية جداً، أو استشهد دفاعاً عن عقيدته، ويعد يوم استشهاده في المفهوم الكنسي هو يوم ميلاده السماوي الذي يحتفل به دينياً وشعبياً.
وفي المعتقد الشعبي تنسب للقديسين والأولياء، معجزات يطلق عليها "كرامات"، وهي طاقة روحية مصحوبة بقدرات إعجازية يهبها الله لعباده من القديسين والأولياء، فيخصهم بالقدرة على التأثير بطريقة ملموسة في عالم الأحياء بالرغم من غيابهم الجسدي عنه، وتتمحور هذه القدرات الإعجازية غالباً، حول إنصاف المظلومين أو شفاء المرضى وإغاثة الملهوف من الضعفاء. وكذلك تحقيق أمنيات البسطاء، ومساعدتهم على إنجاز ما يطمحون إليه من حاجات الدنيا.
وتطلعنا شكر على تفصيل مهم في هذا الخصوص، تفرق فيه بين مفهومين، إذ يختلف معنى "الكرامة" عن "البركة"، فالأولى معجزات تنسب للقديسين والأولياء، أما البركة فهي انتقال القوة المؤثرة الروحية، إلى بعض الأشخاص أو الأشياء، ليصبح الحجر القريب من الضريح أو الشجرة المجاورة له مباركة.
الكتاب: موالـد الأولياء والقديسين
تأليف: د.عائشة شكر
الناشر: هيئة قصور الثقافة القاهرة 2011
الصفحات: 324 صفحة
القطع: المتوسط
