كان جهاز الـ «كي.جي.بي» السرّي في المعهد السوفييتي السابق، أحد أشهر الأجهزة الاستخباراتية في العالم. ولكنه انتهى مع انهيار الامبراطورية السوفييتية عام 1991، وقام على أنقاضه، وكوريث له، جهاز جديد مكلّف بحفظ الأمن في روسيا، ما بعد الشيوعية، وهو جهاز الشرطة الروسي الاتحادي "اف.اس.بي".
والصحافيان الروسيان في مجال التحقيقات، اندريه سولداتوف وايرين بوروغان، يقدمان في كتابهما "طبقة النبلاء الجدد"، تحقيقاً عن خفايا هذا الجهاز السري الروسي، وعن عالمه الخفي. ويشرح المؤلفان في هذا العمل، كيف أصبح المسؤولون عن هذا الجهاز والعاملون فيه، ينتمون إلى "طبقة النبلاء الجدد"، كما يقول العنوان الرئيسي للكتاب. ويؤكّدان أن مثل هذا الواقع ليس بعيداً عن الدعم الذي قدمه لهم "فلاديمير بوتين"، رئيس الوزراء الروسي الحالي والمرشح لرئاسة روسيا في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وبعد الإشارة الى أن بوتين كان أحد رجال الجهاز الروسي الجديد، أشادوا قوة "أكثر غموضا"، مما كان عليه الجهاز السوفييتي السابق. وما يؤكده المؤلفان، أن الكرملين استخدم رجال الجهاز الروسي وأعطاهم صلاحيات واسعة من أجل ملاحقة المعارضين السياسيين، وفرض سلطة الدولة، بل والقيام بعدد من عمليات القتل خارج حدود روسيا. كما استخدم الكرملين، حسب المعلومات التي يكشف عنها المؤلفان، رجال الجهاز السري من "النبلاء الجدد"، لفرض سيطرة أصحاب القرار في أعلى السلطة، على ثروات البلاد.
وتتوزع مواد هذا الكتاب في ثلاثة أقسام رئيسية، يحمل الأول منها عنوان: "جهاز أف.اس.بي يستعيد المجال الضائع"، ويتعرض المؤلفان فيه لشرح ظروف ولادة الجهاز الجديد. ويؤكد المؤلفان أن عناصر الجهاز الروسي السري الحالي "اف.اس.بي"، يميلون غالبا للقول انهم ورثة الكي.جي.بي.
إن المؤلفين يخالفان أيضاً المقولة السائدة في الغرب حول جهاز "اف.سي.بي" بأنه يضع نفسه "فوق السلطة السياسية" الروسية. ويبينان أنه ليست هناك أية مسافة بين الكرملين والأجهزة السرية، ولا أية آلية للرقابة، ولا وجود لهيئة مستقلة للتحقيق من صحة المعلومات التي يتم نقلها.
وترجمة هذا الوضع على أرض الواقع، ان كل ما تقوله الأجهزة يعتبره الكرملين صحيحاً. وهنا بالتحديد تكمن المشكلة- حسب التحليلات المقدّمة. إذ لو كانت الأجهزة السرية فوق السلطة السياسية، ولو كان جهاز "اف.اس.بي" يستطيع تحديد المسارات السياسية والاقتصادية للبلاد، كان العالم سيجد نفسه اليوم أمام نظام سياسي آخر تماماً.
والأجهزة المعنية "تعمل لحساب السلطة"، وفي الوقت نفسه لحساب أولئك "الذين تسلّقوا" على السلطة ولا يزالون يسيطرون على الكثير من مفاصلها الأساسية، منذ إجراءات "الخصخصة" التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. ويتم تحديد القول ان المتسلقين على السلطة، ما بعد الشيوعية، عملوا منذ منتصف عقد التسعينات الماضي، لاستخدام الجهاز السري الروسي بهدف الوصول إلى غاياتهم، وذلك بعد أن كانوا قد أحكموا سيطرتهم على وسائل الإعلام. وهم يتمتعون اليوم بكل التسهيلات، بل والمساعدات، من قبل الدولة، ودون مقابل ولا أي تحفّظ حيال سلوكياتهم.
ويشرح المؤلفان أن التحالف الذي قام بين الدولة الروسية و"الأثرياء الجدد"، منذ العام 2000، أنهى دور الشرائح النشيطة في المجتمع. ولعب جهاز "اف.اس.بي" دوراً في ذلك، عبر ضغطه بشكل كبير على منظمات حقوق الإنسان. وفي النهج نفسه، على كل ما يمكن ان يؤدي إلى توحيد الطبقات الروسية الوسطى، والتي قد تكون "رأس حرية" الاحتجاج، ضد السلطة القائمة في الكرملين.
ويشير المؤلفان إلى أن الطبقات الوسطى في روسيا ليست ضامنة للديمقراطية ولا حاملة لها، كما هو الحال في الغرب.
الكتاب: طبقة النبلاء الجدد، أمن الدولة الروسية وإرث الكي.جي.بي
تأليف: انـــــدريــــــــــــــه ســولـــداتـــوف، ايرينا بوروغان
الناشر: بوبليك افيرز- نيويورك- 2011
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
The new nobility
Andreï Soldatov, Irina Borogan
Public Affairs- New York- 2011
320 .p
