عرفت الولايات الجنوبية من الولايات المتحدة الأميركية، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين (18-1964)، ممارسة التمييز العنصري بصورة مشروعة تبررها القوانين النافذة. وقد عُرفت القوانين المعنية بما سُمي فترة "جيم كروو"، وجرى تطبيقها عملياً في 12 ولاية من ولايات الجنوب الأميركي.

الباحثتان الأميركيتان ليسلي براون وآن فالك، تقدمان كتاباً عن تلك الفترة من زاوية نضال نساء أميركيات من أصل إفريقي، ضد تلك القوانين العنصرية. والكتاب يحمل عنوان: "العيش مع جيم كروو"، وبعنوان فرعي هو: "النساء الإفريقيات-الأميركيات وذكريات التمييز العنصري".

والكتاب هو مجموعة من ذكريات "الرفض"، واجهت بها نساء أميركيات من أصول إفريقية، في أغلب الأحيان، التمييز العنصري "القانوني" الممارس عليهن على المستويين العام والخاص، خلال عدة عقود في ولايات جنوب الولايات المتحدة. ويتم الاعتماد خاصة على سلسلة طويلة من المقابلات والشهادات الحيّة التي قدّمها أصحابها، أو كانوا قد تركوها أثناء حياتهم..

وفي جميع الحالات يتم التركيز على ما تعتبره المؤلفتان "النقاط المشتركة بين تجارب مختلف النساء الرافضات للتمييز العنصري". وأيضاً التأكيد بالمقابل، على أن نمط حياة هؤلاء النسوة كان مغايراً إلى حد كبير لنمط حياة الرجال الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية السود في الولايات الجنوبية. وليست قليلة هي المرات التي جرى فيها "شنق" أحد السود، كونه سرق بقرة أحد الأثرياء البيض. والقصص التي تتم روايتها عن العنف العنصري كثيرة على لسان سيدات إفريقيات-أميركيات.

ومن خلال الكم الكبير من اللقاءات مع نساء إفريقيات أميركيات، توضح ليسلي براون، إحدى مؤلفتي الكتاب، وهي الأميركية الجنوبية ذات الأصل الإفريقي، أنه ثبت بالبرهان ما كان يتردد ويُروى على لسان الجدّات، إذ ان مختلف الروايات والشهادات تصبّ كلها في تأكيد أن أشكال التمييز العنصري كانت يومية، وأشكال الشتائم التي مصدرها البيض، لم تكن تتوقف.

وكانت القوانين تحمي الفاعلين. وفي كل الحالات تعوّد السود أن ينتظروا خلق السود في كل شيء. ويبين الكتاب أن العديد من النساء المناضلات ضد التمييز العنصري، تعلمن كيف تتم المقاومة للتمييز العنصري على الرغم من أن السود لُقنوا فنون الصمت إزاء أشكاله، فعمدت النساء أحياناً للتسلح بآليات مناهضة ورفض، تتم دون رفع الأيدي أو رفع الصوت، بل بإظهار اللامبالاة حيال التجاوزات الصادرة من البيض.

وتتم الإشارة الى أن المناطق الريفية البعيدة عن التجمعات السكانية الكبرى في المدن، كانت هي "الأقل احتكاكاً" بين البيض والأغلبية الساحقة من الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية. ولكن الجميع في المدن والأرياف، أرادوا التصريح عمّا كانوا يعانون في حياتهم اليومية. وقد رغبوا بشهاداتهم أن يرووا للأميركيين الآخرين، وللعالم أيضاً، قصة ما كانت عليه حياتهم في ظل قوانين "جيم كروو".

ولكن من أين أتت تسمية "جيم كروو"؟

يشرح الكتاب أنه تعود هذه التسمية، إلى أغنية كان قد كتبها في عام 1828 المدعو توماس دارثمورت، المهاجر الانجليزي إلى الولايات المتحدة. وحملت الأغنية عنوان "صاحب جيم". وكانت الأغنية والاستعراض الذي يتضمنها، قد لقيا نجاحاً جماهيرياً كبيراً، وكان مؤلف الأغنية هو أول من رددها أمام الجمهور، بعد أن "صبغ وجهه" باللون الأسود، ثم خلفه في الغناء أميركي-إفريقي أسود من ولايات الجنوب.

ومن الأمثلة التي تقدمها شهادات نساء إفريقيات-أميركيات، انه لم يكن هناك أي شخص أو أية مؤسسة، تطلب من ممرّضة بيضاء العمل في غرف المستشفيات، العامة أو الخاصة، التي كانت تعمل فيها نساء ذوات بشرة سوداء داكنة. واما عن الزواج، فكل زواج بين شخص أبيض رجل أو امرأة- وآخر أسود، ممنوع.

وكذا بين شخص أبيض وآخر له نسب أسود حتى الجيل الرابع. وقد شرعت قوانين "جيم كروو" ضرورة "الفصل في مواقف حافلات النقل العام بين صالات الانتظار المكرّسة للبيض، وبين تلك المكرّسة للبيض، وبين تلك المكرّسة للسود، والأمر نفسه بالنسبة إلى أماكن شراء بطاقات الركوب.

وألغيت قوانين جيم كروو مع تصاعد حركة المطالبة بالحقوق المدنية في سنوات الستينات من القرن الماضي. وفي العام 1967 بالتحديد، أصدرت المحكمة الأميركية العليا، حكماً ألغت فيه جميع القوانين التي تمنع الزواج المختلط بين فردين من ألوان مختلفة.

 

 

الكتاب: العيش مع قوانين جيم كروو

تأليف: ليسلي براون، آن فالك

الناشر: بلغراف مكميلان- نيويورك- 2011

الصفحات: 228 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Living with Jim Crow

Leslie Brown, Anne Valk

Palgrave MacMillan- New York - 2011

228 .p