بعد أن كرّس الكاتب وطبيب الأطفال الفرنسي ذو الأصل الليبي الدو ناعوري، العديد من كتبه لمناقشة مسائل تتعلّق بالعلاقات داخل الأسرة، بين الأمهات والبنات والآباء والأمهات، يخصص كتابه الأخير لموضوع «شائك» بشكل أكثر، فهو مكرّس للعلاقات بين أمّهات الزوجات والأزواج، وكذا بقيّة أفراد الأسرة بـ«المصاهرة». ويتم في البداية طرح العديد من الأسئلة، من نوع:
لماذا لا تستطيع امرأة عرفت الصعوبات الكبيرة مع حماتها أن تقيم علاقات بعيدة عن النزاعات مع زوجة ابنها لاحقاً؟ ولماذا لا تستطيع امرأتان عرفتا تجربة الأمومة وتدركان جيداً مشاعرها، ممارسة القليل من التسامح أو حتى المودة والتضامن؟
ولماذا لا تستطيع امرأة أعطت خلال حياتها كلّها الحنان والمحبة لابنها، أن تتحمّل امرأة تحب هذا الابن وكان هو نفسه قد اختار أن يحبها؟ وبالمقابل: لماذا تسوء العلاقات بين امرأة وهبت حبّها لرجل، وبين أمّه التي أنجبته وربته؟ ولماذا هذا النمط من العلاقات التنازعية القديم قدم العالم نفسه، والموجود في كل مناطق هذا العالم؟ وكيف يمكن فهم قيام حالة وئام وتفاهم بين أمّي الزوج والزوجة، مهما كان مثل هذا الحال نادراً؟ وكذلك تمتد قائمة التساؤلات هذه لتطال العلاقات الأسرية المتشابكة الأخرى.
ولا يتردد المؤلف في القول إن مثل هذه الأسئلة تخامر ذهنه، منذ ما يزيد على أربعة عقود من الزمن.
لأن تحوّلاً كبيراً و«غير مفهوم» كثيراً، حصل في سلوك من عانوا عدة أوضاع أحسّوا فيها بالظلم، ثم يصبحون فيما بعد، في موقع ظالمهم في الأمس القريب. واللافت للانتباه، كما يقول، هو أننا نجد النمط نفسه من السلوكيات والإشكالات بين أمهات الأزواج والزوجات، في جميع الثقافات، بينما الأمور تسير بسهولة ويسر أكبر نسبياً على الأقل، بين آباء الزوجات والأزواج، وبين زوجات الأبناء «الكنّات» والأصهار.
ويقوّم المؤلف بنوع من الدراسة اللغوية والأصول الاجتماعية للتسميات التي تطلق في العديد من الحضارات، للدلالة على أم الزوج أو الزوجة وزوجة الابن أو الصهر.
أمّا صفة «الجميل» أو «الجميلة» فتنفرد بها اللغة الفرنسية عبر تسمية الصهر بـ«الابن الجميل»، وزوجة الابن بـ«الابنة الجميلة».
وتخص التحليلات التي يقدّمها المؤلف، كافة المجتمعات الغربية بالدرجة الأولى. وهو يشير في هذا الصدد إلى أن تغيّراً كبيراً قد طرأ على العلاقات المدروسة منذ سنوات السبعينات من القرن الماضي، وخاصّة بعد ما عُرف بثورة الطلبة في فرنسا، خلال شهر مايو من العام 1968.
وجوهر هذا التغيّر تمثّل في إعطاء هالة وبنية مقام أكبر للمرأة ـ الأم. وذلك أن المجتمع تبنّى خطاباً يدور حولها، وحول قدرة الأمهات على القيام بتربية أطفالهن وتلبية احتياجاتهم وحدهن. والنتيجة المباشرة لمثل ذلك الخطاب، كانت تضاؤل دور الأب داخل الأسرة.
وبالتالي خلل الهيكل التربوي التقليدي، أي ذات الطابع الأبوي «البطريركي». والنتيجة الأعمق والأكبر لتعاظم دور المرأة وبالتالي دور الأم، يحددها المؤلف في انتهاء التراتبية التي كانت قائمة في النمط المجتمعي السابق وبروز «مجتمع من دون أب».
وبالتالي أيضاً زوال شبه كامل لدور الأم والدة الأب، أي ما يعني في الواقع، أن زوجة الابن «فقدت» حماتها التي جرى «استبعادها».
وما يؤكّده ناعوري هو أن هذه الاختراعات، كلّها، لم تعزز من موقع الأبوّة الحقيقية، مشيراً إلى أن «الوضع تدهور كثيراً منذ أربعين سنة، وحتى اليوم». ويفضح بالمقابل، في الوقت نفسه، عن أسفه لما يسميه «فبركة» جيل من «المستبدين الصغار». ويقصد بهم الأطفال الصغار الذين تلبي أمهاتهم كل طلباتهم، بينما يرفضون القيام بأي جهد حقيقي.
واللافت للانتباه هو أن المؤلف يرى في انتفاء الحدود الرادعة أمام هؤلاء الأطفال، ما يشبه في الاقتصاد والسياسة، مفاهيم اللبرالية الجديدة والأسواق المالية، إذ تنتفي الحدود الرادعة. ويشير هنا إلى أن القاعدة التي يقوم عليها البناء في الحالتين، هي «أرض متحرّكة».
وفي المحصّلة، ومن خلال التعمّق في التحليل التاريخي والمجتمعي، وكذلك عبر معايشته كطبيب معالج، إلى جانب الكثير من الذكريات الشخصية، يقدّم المؤلف ناعوري، رؤية تميل بالأحرى إلى التشاؤم بالنسبة للأسرة وللمجتمع في العالم الغربي المعاصر، إذ تبدو مساحة الخروج من هذا المأزق صغيرة جداً.
الكتاب: أمّهات وآباء أزواج البنات وزوجات الأبناء.. والبقية
تأليف: الدو ناعوري
الناشر: اوديل جاكوب باريس 2011
الصفحات: 316 صفحة
القطع: المتوسط
Les belles- mères les beaux- pères
Aldo Naouri
Odile Jacob - Paris- 2011
316 p .
