يرى مؤلف كتاب« الأزمة المالية» ، د. كامل العضاض، أن التزام النظام النقدي والتجاري الدولي، بنشر واعتماد الأوراق المالية كتعهد للدفع بالذهب لاحقاً، والإفرزات المالية المتمخضة عن ذلك، إلى جانب عدة عوامل اخرى، قاد، فيما بعد، الدول الأوروبية والأميركية المتنافسة، إلى نظام أريد له أن يجمع حسنات العالمين، أي إبقاء النظام المعير بالذهب بشكل غير مباشر.

والسماح بتسريع تبادل العملات، وبالتالي التبادلات التجارية بسرعة تداول الدولار الأميركي المدعوم بالذهب المتيسر، نفسها. ففي عام 1944 اجتمع معظم قادة الدول الصناعية الكبرى آنذاك في برتين وودز في نيو هامشير في الولايات المتحدة، لمعالجة هذا الوضع المقيد للتبادلات التجارية الواسعة. وتدارسوه بما يخدم الحفاظ على القيمة المعيارية للذهب لعملات بلدانهم. وبهذا التحول أصبح الدولار الأميركي يعتبر عملة مرغوباً بها عالمياً.

وبالتالي صار احتياطياً لعملات الدول المشاركة في التجارة الدولية، وهذه اتسعت لتشمل جميع بلدان العالم اليوم، بيد أنَّ التطورات اللاحقة في الاقتصاد الأميركي أدَّت إلى نشوء تضخم كبير في الأسعار، وعجز كبير في الميزان التجاري الأميركي، مما أدى إلى تدهور قيمة الدولار.

فطلبت من اليابان وألمانيا التدخل لتصعيد قيمة عملتيهما، لكن الدولتين ترددتا واعتذرتا لأنَّذلك كان سيؤثِّر على قيمة صادراتهما. مما حدا بالولايات المتحدة في عام 1971 إلى قيام رئيسها ريتشارد نيكسون، آنذاك، باتخاذ قرار التخلي عن النظام المعير بالذهب، أي ربط الدولار بكمية محددة من الذهب، وجعل قيمته معوَّمة، أي يتحدَّد سعرها بالسوق، حسب عوامل العرض والطلب.

وبعد انهيار المعسكر السوفييتي النمط واليوغسلافي النمط، بقي ثابتاً النمط الصيني، بل وأصبح يتقدَّم اليوم بمعدلات فريدة ومتميزة وعالية من الإنتاج والنمو. والسيطرة المتزايدة على حصة كبيرة ومتنامية من فوائض التجارة الدولية، على الرغم من فقدان الحرية الكاملة للأسواق.

ويوضح مؤلف الكتاب، أنَّ هناك «الاقتصاد الوهمي» أي غير العيني الحقيقي، وهو عملية تراكم ليس رأسماليا عينيا، وإنما هو رأسمال مالي ونقدي يوهم بوجود ما يقابله من سلع. فالجشع من أجل الأرباح تحت نظام انتمائي (فالت) باسم الحرية الاقتصادية، واعتماداً على «يد آدم سميث الخفية» بأنَّ السوق ستصحح نفسها.

وإذا بنا أمام مؤسسة الاحتياطي الفيدرالي بتوجيه من الحكومة والسلطة التشريعية، تتدخل لشراء المصارف، فتضخ خمسة تريليونات من الدولارات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، دون أن ترمش لها عين، ولا يهمها ذلك، لأن العملية لا تتطلب سوى طبع أطنان من ورق تسميها دولارات. كما أنَّها تخطط لزيادة مديونيتها لبقية العالم، والتي تجاوزت الآن أكثر من 14 تريليون دولار. وربما بالأسلوب نفسه، معتمدة على كون الدولار عملة الاحتياطي النقدي العالمي، ولا أحد سيرفضه.

وهنا مكمن الخطورة. فلا ننسى العوامل الجوهرية الأخرى التي عجَّلت بنشوء الأزمة المالية وزيادة المديونية إلى هذا الحد المخيف. ومن أهمها الإنفاق العسكري الهائل، بعد تاريخ 11 سبتمبر 2001 ، عقب غزو أفغانستان. ومن ثم العراق، حتى الوقت الحاضر.

فطبع الدولار من قبل الاحتياطي الفدرالي بماكيناته الجاهزة لا يكلف شيئاً. وإصدار سندات الخزينة يساوي قيمتها الورقية والدعائية. فتتصاعد الديون للدول الأخرى. إنَّ الدولار الأميركي أصبح الاحتياطي النقدي العالمي، إذ باتت الغالبية العظمى من دول العالم تحتفظ بالدولار كاحتياطي، لدعم عملاتها المحلية، بل وأصبح سعر صرف العملات أكثر ارتباطاً بسعر الدولار الأميركي. وأكثر من ذلك بسبب كثافة الارتباط بالدولار، والذي صار في كثير من الحالات عملة موازية للعملات المحلية، بل وبات الدولار يطرد العملة المحلية من التداول. وهذه ظاهرة سمَّاها البعض بـ( الدولرة).

 

 

 

 

 

الكتاب: الأزمة المالية العالمية أبعادها وآثارها

تأليف: د. كامل العضاض

الناشر: طبعة خاصة2011

الصفحات: 80 صفحة

القطع: المتوسط